فهرس الكتاب
ولكن إذا كان أحد الخاطبين او كلاهما مريضًا فإن هذه المسألة تدخل ضمن موضوع التداوي بصورة عامة، ثم إذا فحص نفسه، وتبين أنه مصاب بمرض معد خطير ثم كتم ذلك فإنه حينئذٍ يدخل في الموضوع الخاص بالتدليس الذي نبحث عنه بعد قليل إن شاء الله.
الموضوع الثاني: هل يجوز للدولة إصدار تشريع بإجبار الراغبين في الزواج على الفحص الطبي قبل الزواج، وترتيب آثار على عدم القيام به من البطلان، أو عدم التسجيل ونحو ذلك:
أختلف المعاصرون، فذهب جماعة (منهم الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله ود. عبدالكريم زيدان، ود. محمد رأفت عثمان، ود. محمد عبدالغفار الشريف) [1] إلى عدم جواز ذلك مستدلين بالأدلة الآتية:
1 ـ أن عقد النكاح ليس عقدًا جديدًا حتى نبحث عن شروط جديدة لصحته، بل هو عقد تناوله الشرع بالتفصيل من حيث أركانه وشروطه، بل له خصوصيته حيث أحاطها الشارع بمزيد من العناية والخصوصية، وبالتالي فإن إجبار العاقدين بوجود هذا الشرط (الفحص الطبي) مخالف لما ثبت عن الشرع، ويكون هذا الشرط باطلًا، لأنه يدخل في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل) [2] .
2 ـ لا نجد في الكتاب والسنة ولا في أقوال الفقهاء السابقين دليلًا، أو قولًا باشتراط سلامة الصحة لصحة النكاح، كما لانجد اشتراط أن يكون النكاح يلزم منه الذرية، كما في المرأة الآيسة، والرجل كبير السن حيث يجوز لهما الزواج دون إرادة الذرية، بل الشروط الشرعية بعد شروط العقد هو كون الزوج من أهل الدين والخلق ولم يشترط كونه سليمًا، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ) [3] .
3 ـ إن تصرفات ولي الأمر وبالأخص في جعل المباح واجبًا إنما تصح إذا تعينت فيها المصلحة، أو غلبت للقاعدة الفقهية (تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة) [4] .
وذهب جماعة (منهم الدكاترة: محمد الزحيلي، والميمان، وحمداتي ماء العينين [5] ، وشبير) [6] إلى أنه يجوز لولي الأمر إصدار قانون يلزم فيه كل المتقدمين للزواج بإجراء الفحص الطبي مستدلين بما يأتي:
1 ـ الأدلة العامة من الكتاب السنة وعلى وجوب طاعة ولي الأمر فيما ليس بمحرم.
2 ـ الأدلة العامة الدالة على حماية الإنسان لنفسه وعدم الوقوع في التهلكة.
3 ـ الأدلة العامة على وجوب الحفاظ على النسل الذي هو من الضروريات.
ومن الواضح أن هذه الأدلة العامة لا تكون نصًا في الدعوى، أو لموضوع فلا يمكن إثبات الإيجاب بها في أمر خاص مثل الفحص الطبي.
(1) يراجع: جريدة المسلمون، ع 597 في 12 يوليو 1996، ورأي الدكتور عبدالكريم زيدان في مناقشاته في مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي شوال 1422هـ، ود. محمد رأفت عثمان: بحثه السابق، ود. محمد عبدالغفار الشريف: بحثه السابق، ويراجع: د. عبدالرشيد قاسم: الفحص الطبي قبل الزواج المنشور في موقع: لها أون لاين.
(2) رواه البخاري في صحيحه ـ مع الفتح ـ (5/ 187، 324) ومسلم (2/ 124)
(3) رواه الترمذي الحديث رقم 1084 وابن ماجه الحديث رقم 1967
(4) يراجع لهذه القاعدة: الأشبه والنظائر للسيوطي ص 121، والمنثور للزركشي (1/ 309)
(5) بحثه المعنون: موقف الإسلام من الأمراض الوراثية، المنشور في مجلة الحكمة، ع6 صفر 1416هـ ص 210
(6) انظر: كتاب الحادي عشر لندوة المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، المشار إليه سابقًا.