الصفحة 32 من 36

4 ـ حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا توردوا الممرض على المصح) [1] حيث أمر باجتناب المصابين بالأمراض المعدية والوراثية، وهذا لا يتحقق إلاّ من خلال الفحص الطبي.

5 ـ إن الفحص الطبي لا يعتبر افتئاتًا على الحرية الشخصية، لأن فيه مصلحة الفرد أولًا، وللجماعة ثانيًا، وحتى لو ترتب عليه ضرر خاص فإنه يتحمل لأجل الضرر العام كما تقضي بذلك القواعد الفقهية: (يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) و (يرتكب أهون الشرين وأخف الضررين، وأدنى المفسدتين ... ) و (درء المفسدة أولى من جلب المصلحة) .

6 ـ قاعدة (الدفع أولى من الرفع) حيث إذا أمكن دفع الضرر قبل وقوعه فهذا أولى من رفعه بالوقوع.

7 ـ رعاية الوسائل، حيث إن للوسائل حكم الغايات [2] .

الترجيح:

الذي يظهر لي رجحانه هو التفصيل في المسألة، وهو القول بعدم جواز الإجبار على الفحص الجيني وضرورة ترك ذلك للحرية الشخصية مع التوعية بأهميته، والقول بجواز صدور قرار ملزم من الدولة بإلزام الراغبين في الزواج بالفحص الطبي العادي قبل الزواج بشرطين:

الشرط الأول: أن يكون ذلك في الأمراض المعدية الخطيرة السارية مثل التهاب الكبد الوبائي والايدز وعلى أن تشكل لجنة متخصصة لتحديد هذه الأمراض المعدية الخطيرة دون التوسع فيها، وذلك من باب (أن الضرورات، والحاجيات الملحة تقدر بقدرها) .

الشرط الثاني: أن لا يكون جزاء الإخلال بالفحص الطبي هو إبطال العقد، وفساده، أو عدم ترتيب الآثار الشرعية على عقد النكاح، بل يكون الجزاء على الإخلال شيئًا آخر مثل غرامة مالية، أو نحو ذلك.

وقصدي من ذلك أنه لا يجوز للدولة، أو لولي الأمر إصدار قرار بإجبار الفحص الطبي قبل الزواج، وترتيب فساد العقد، أو بطلانه، او عدم ترتب آثاره الشرعية عليه، فهذا ليس من حق الإمام لأنه يصطدم بالنصوص الشرعية القاضية بصحة العقد ما دامت الأركان والشروط متوافرة، أما أن يقول القرار مثلًا: (وفي حالة الإخلال بهذا الشرط يعاقب بغرامة مالية، أو أنه لا يعطى له المزية الفلانية) فهذا جائز.

والدليل على هذه التفرقة في الحكم بين الفحص الجيني، والفحص العادي بكل الوسائل المتاحة للأمراض المعدية هو أن الفحص الجيني يترتب عليه مفاسد عظيمة على مستوى الفرد، والأسرة والجماعة ذكرنا بعضها في السابق، كما أن هناك أسرارًا لم تكشف فتحتاج إلى مزيد من الدراسة والتحليل، في حين أن ترك الأمراض المعدية الخطيرة مثل التهاب الكبد الوبائي، والايدز تترب عليه مفاسد عظيمة كما ذكرنا، وأعتقد أننا بهذا الجمع قد جمعنا خير ما في كل من آراء الفريقين، كما أن فيه جمعًا بين

(2) المراجع السابقة، ويراجع: د. عبدالرشيد قاسم: بحثه السابق ص 3، ويراجع لهذه القواعد الفقهية: الأشباه والنظائر للسيوطي ص 138، والمنثور للزركشي (2/ 155)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت