فهرس الكتاب
تكاليف الفحص:
في حالة إجبار الدولة أرى أن تتحمل الدولة هذه المصاريف، أو تهيئ المختبرات الخاصة التي تقوم بهذه الفحوصات مجانًا، لأن مصالحها ومنافعها ليست خاصة بالفرد وإنما مصالح عامة يتحملها بيت مال المسلمين، أو خزانة الدولة العامة، وفي حالة عدم توفر ذلك فإن كلا من الزوجين يتحمل مصاريفه إلاّ إذا اشترط على الطرف الآخر، وحينئذٍ يكون الشرط معتبرًا.
الموضوع الثالث: إذا علم (بوجود مرض خطير وراثي أو عادي) أحد الخاطبين قبل الزواج أو الزوجين بعد الزواج، فما حكم الشرع في هذه المسألة؟
الذي يظهر لي رجحانه والله أعلم هو وجوب إخبار الطرف الآخر بما عنده من أمراض معدية خطيرة، أو أمراض وراثية خطيرة، أما إذا كان المرض عاديًا أي غير معد، ولا يؤدي إلى التشوهات في الأطفال المولودين منه ـ حسب الظن الغالب ـ فلا يجب عليه البيان.
والدليل على وجوب البيان على أحد الخاطبين أو الزوجين في حالة أنه اكتشف أنه مريض بأحد الأمراض المعدية الخطيرة، أو انه يحمل جينًا من الجينات المريضة التي تؤدي إلى أن يكون المولود منه مشوهًا ـ حسب الظن الغالب لأهل العلم ـ حيث يجب عليه إخباره .... هو ما يأتي:
1 ـ وجوب الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والآثار والاجماع على حرمة الغش والتدليس والتغرير والخداع، والتحايل التي تدور معانيها حول: كتمان الحقيقة، واستعمال طرق النصب والاحتيال للوصول إلى مآرب الغاش، والمدلس والمغرر والمحتال، لذلك قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من غش فليس مني) [1] .
2 ـ لا يقف أثر التغرير والتدليس عند العقود المالية التي يكون تأثيره فيها محل اتفاق في الجملة [2] بل يتجاوزها إلى النكاح أيضًا حيث اتفقوا على أن التغرير بالحرية يوجب الضمان، وحق الفسخ [3] .
3 ـ هناك آثار وأحكام وفتاوى لبعض كبار الصحابة بوجوب البيان فقد روى الشعبي عن عمر رضي الله عنه قال: (انه بعث رجلًا على بعض السقاية فتزوج امرأة وكان عقيمًا، فقال له عمر: أعلمتها أنك عقيم؟ قال: لا، قال: فانطلق فأعلمها، ثم خيّرها) [4] .
وقد قضى شريح (قاضي الإسلام الذي ضرب به المثل بعلمه وحكمته) بعدم جواز التدليس في الزواج وبحق الخيار للمدلس عليه، حيث اتى برجل فقال: إن هؤلاء قالوا لي: إنا نزوجك بأحسن الناس، فجاؤوني بامرأة عمشاء، فقال شريح: (إن كان دلس لك بعيب لم
(1) رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان (1/ 99) وأبو داود ـ مع عون المعبود ـ (9/ 32) والترمذي ـ مع تحفة الأحوذي ـ (4/ 544) وابن ماجه (2/ 749) والحاكم في المستدرك (2/ 9) والسنن الكبرى للبيهقي (5/ 320)
(2) لمزيد من البحث و التفصيل: مبدأ الرضا في العقود، دراسة مقارنة ط. دار البشائر الإسلامية (1/ 600 ـ 666)
(3) تجردي القدوري، مخطوطة دار الكتب 803 فقه حنفي ج 2 ق 1، حيث ادعى الاجماع، وابن عابدين (5/ 145) ، ويراجع لمزيد من التفصيل: مبدأ الرضا في العقود، دراسة مقارنة ط. دار البشائر الإسلامية (1/ 664)
(4) أخرجه عبدالرزاق الصنعاني في مصنفه الحديث رقم 10346، ورجاله ثقات