الصفحة 34 من 36

يجز) [1] قال ابن القيم معقبًا على هذا الحكم: (فتأمل هذا القضاء، وقوله: إن كان دلس لك بعيب، كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة فللزوج الرد به) [2] .

4 ـ ومن باب القياس الأولى إذا كان بيان العيوب في البيع ونحوه من المعاملات المالية واجبًا، وأن كتمانه يعطي حق الفسخ فكيف لا يكون تأثر للغش في هذا العقد العظيم الذي يترتب عليه آثار خطيرة على صحة الزوجين ومستقبلهما ومستقبل أولادهما، يقول ابن القيم: (وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم حرم على البائع كتمان عيب سلعته، وحرم على من علمه أن يكتمه من المشتري، فكيف بالعيوب في النكاح) [3] .

النكاح قائم على الإفصاح والشفافية:

أولى الإسلام عناية قصوى بأن تكون العلاقة بين الخاطبين أو الزوجين قائمة على الشفافية والإفصاح ووجوب البيان حتى يقدما على العقد بمنتهى القناعة، والاطمئنان للوصول إلى الاستقرار والسكنى.

ولا يقتصر هذا البيان على العاقدين، بل على يستشار في هذا الصدد، حيث قال النبي صلى الله عله وسلم لفاطمة بنت قيس حين استشارته في نكاح معاوية أو أبي جهم: (أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) [4] ثم أرشدها إلى النكاح من أسامة رضي الله عنهم، يقول ابن القيم: (فعلم أن بيان العيب في النكاح أولى وأوجب، فكيف يكون كتمانه وتدليسه والغش الحرام به سببًا للزومه، وجعل ذا العيب غلًا لازمًا في عنق صاحبه مع شدة نفرته عنه وهذا مما يعلم يقينًا أن تصرفات الشريعة وقواعدها وأحكامها تأباه) [5] .

فهذا البيان من واجب الشخص نفسه، ومن واجب الذي يستشار بشأن الزواج استدلالًا بالحديث الصحيح السابق، ولا يدخل هذا في باب الغيبة، فقد سئل الإمام أحمد عن الرجل يسأل عن الرجل يخطب إليه، فسأل عنه فيكون رجل سوء، فيخبره ... أيكون غيبة؟ قال: (المستشار مؤتمن يخبره بما فيه، وهو أظهر، ولكن يقول ما أرضاه لك، ونحو هذا أحسن) [6] .

والخلاصة أن أحد الزوجين يجب عليه ان يخبر الآخر بالأمراض المعدية والأمراض الجينية الخطيرة الموجودة فيه، وإلاّ فهو آثم، وللطرف الآخر حق الفسخ، بل والتعويض إن أصابه ضرر تطبيقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي أصبح مبدءًا أو قاعدة عامة (لا ضرر ولا ضرار) [7] والضرر يزال، وان الضر لا يزال بمثله [8] ، وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي الدولي (رقم 82(13/ 8 ) ) بوجوب إخبار المصاب الآخر من الزوجين [9] .

(1) المرجع السابق الحديث رقم 10685، وإسناده صحيح

(2) زاد المعاد (4/ 184)

(3) المصدر السابق (5/ 185)

(4) رواه مسلم في صحيحه الحديث 1480 ومالك في الموطأ (2/ 580) والشافعي في الرسالة الحديث 856

(5) زاد المعاد (5/ 185 ـ 186)

(6) غذاء الألباب (1/ 107)

(7) رواه مالك في الموطأ ص 464، وأحمد (6/ 313، 5/ 527) وغيرهما

(8) يراجع: الأشباه والنظائر

(9) مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ع 8 ص 9 وما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت