الصفحة 41 من 53

والأنيميا المنجلية .. وهذه الأمراض أو بعضها تنشأ عن الصفات الوراثية، وينتج عنها أمراض تكسر كريات الدم الحمراء، وهي من أكثر الأمراض خطورة، ويتعين مقاومتها بكل الوسائل بما فيه ذلك إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج في المناطق التي تنتشر فيها تلك الأمراض، لما في ذلك من درء المفاسد وجلب المصالح.

وأما إلزامية الفحص الطبي قبل الزواج في الأحوال العادية التي لا يكون الزواج فيها سببًا لانتشار تلك الأمراض، ففيه اعتداء على الحرية الشخصية للزوجين، لأن في ذلك افتئاتًا على حريتهما، فالعمل بالفحص الطبي قبل الزواج - في المناطق التي تنتشر فيها الأمراض الوراثية أو المعدية - وإن كان فيه اعتداء على الحرية الشخصية للزوجين إلا أنه لا يقارن هذا الضرر بما هو أعظم منه من استشراء الأمراض الوراثية أو المعدية.

رابعًا: أن من قواعد الشرع:"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". [1] ووجه الاستشهاد بهذه القاعدة هنا: أن السعي إلى المحافظة على النسل إيجادًا أو بقاءً هو في الأصل من الفروض الواجبة على الأمة، وتحقيق هذا الواجب قد يتوقف على الفحص الطبي قبل الزواج - خاصة في المناطق التي تنتشر بها الأمراض الوراثية والمعدية - الذي يمكن بواسطته معرفتها، فيعتبر مشروعًا وواجبًا من هذا الوجه.

وما قرر هنا في هذه القاعدة، قد قرره ابن القيم في ضرورة فتح الذرائع الجالبة للمصالح بقوله:"لما كانت المقاصد لا يتوصل إليها إلا بأسباب وطرق تفضي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعة لها معتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غايتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقربات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غايتها، فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل". [2]

(1) ابن النجار، شرح الكوكب المنير (1/ 357) وما بعدها.

(2) ابن القيم، اعلام الموقعين عن رب العالمين (3/ 135) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت