فهرس الكتاب
للاختيار بحسب الزمان وفق المصالح المعتبرة. ويبقى أصل الخطاب ثابتًا لخلود الشريعة وأبديتها مع بقاء الدنيا والتكاليف، واختلاف الأعراف والأزمنة تبقى معه منطوية تحت أصل شرعي يحكم عليها. ولا يراد بتغير الزمان فساد الأخلاق والابتعاد عن دين الله تعالى، مما ينبغي معالجته ومحاربته، وإنما يراد نشوء أوضاع تنظيمية جديدة تتطلب أحكامًا مناسبة لها.
ووجه الاستشهاد بهذا الكلام على مسألتنا: أن اكتشاف الأمراض الوراثية أو المعدية بالفحص الطبي قبل الزواج؛ كان قبل ترقي الطب من الأمور المستحيلة، والآن بعد تقدم الطب أصبح سهلًا مأمون العاقبة بالتجربة؛ اكتشاف تلك الأمور، فوجب تغيير الحكم بتغير الحال والزمان، خاصة في المناطق التي تنتشر فيها تلك الأمراض المخيفة، وذلك درءًا لاستشرائها في الحياة الزوجية مستقبلًا، عن طريق إجراء الفحص الطبي قبل الزواج. وفي هذه الحالة يحق لولي الأمر التدخل في ذلك من باب السياسة الشرعية، وله أن يجعل الفحص الطبي قبل الزواج إلزاميًا، وذلك لوقاية أفراد ذلك المجتمع من الأمراض المستعصية، خاصة إذا كان الزواج من أهم الأسباب التي تؤدي إلى انتشار تلك الأمراض.
ثامنًا: قاعدة"الأمور بمقاصدها"
إن هذه القاعدة من أهم القواعد وأعمقها جذورًا في الفقه الإسلامي، وقد أولاها الفقهاء عناية بالغة، فأفاضوا في شرحها والتفريع عليها، لأن شطرًا كبيرًا من الأحكام الشرعية يدور حول هذه القاعدة.
والأصل فيها الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن فاروق الأمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ماهاجر إليه) . [1]
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، (1/ 1/3) ح (1) .