الصفحة 6 من 53

وإن الولد هو الأصل المقصود وله وضع النكاح، والمقصود بقاء النسل، وأن لا يخلو العالم عن جنس الإنس. وإنما الشهوة خلقت باعثة مستحثة كالموكل بالفَحْل في إخراج البذر، والأنثى في التمكن من الحرث تلطفًا بهما في السياقة إلى اقتناص الولد بسبب الوقاع، كالتلطف بالطير في بث الحب الذي يشتهيه ليساق إلى الشبكة. وكانت القدرة الأزلية غير قاصرة عن اختراع الأشخاص ابتداء من غير حراثة وازدواج، ولكن الحكمة اقتضت ترتيب المسببات على الأسباب، مع الاستغناء عنها، إظهارًا للقدرة، وإتمامًا لعجائب الصنعة، وتحقيقًا لما سبقت به المشيئة وحققت به الكلمة.

والتوصل إلى الولد بالزواج يكون قربة من أربعة أوجه:

الأول: موافقة محبة الله بالسعي في تحصيل الولد لإبقاء جنس الإنسان.

الثاني: طلب محبة الرسول صلى الله عليه وسلم في تكثير من به مباهاته حيث قال: «تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» [1] .

والثالث: طلب التبرك بدعاء الولد الصالح بعده.

والرابع: طلب الشفاعة بموت الولد الصغير إذا مات قبله [2] .

فإذا كان النسل هو المقصد الأصلي من النكاح، فهذا لا يمنع أن تكون هناك مقاصد أخرى للنكاح باعتبار قصد المكلف، وهذه المقاصد تكون بمثابة التابع الخادم والمكمل للمقصود الأصلي، والمقاصد التبعية كثيرة لا تعد ولا تحصى [3] .

ثانيًا: السكينة بين الزوجين:

النكاح يقصد منه أيضًا ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة، والنظر والملاعبة وإراحة للقلب، وتقوية له على العبادة، فإن النفس ملول، وهي

(1) سبق تخريجه.

(2) الغزالي، إحياء علوم الدين (2/ 22) .

(3) مثل: التحصن من الشيطان وكسر التوقان ودفع غوائل الشهوة وغض البصر، وحفظ الفرج، وتفريغ القلب عن مشاغل تدبير المنزل، والتكلف بشغل الطبخ والكنس وتهيئة أسباب المعيشة، ومجاهدة النفس، ورياضتها بالرعاية والقيام بحقوق الزوجة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت