ومن ثَمَّ نقول: ينبغي لطلاب العلم أن يرشدوا الناس إلى أنهم إذا أراد أحدهم أن يوصي وصية يقول: وهذه الوصية ناسخة لما سبقها ، فيؤخذ بقوله هذا ؛ لأن الرجوع في الوصية جائز فكلما كتب الإنسان وصية ينبغي أن ينتبه لهذا ؛ حتى لا يوقع الموصى لهم والورثة في حيرة فيما بعد ، فيستريح ويريح .
قوله:"ولا يملك الرجوع فيها"أي: لا يملك الرجوع في العطية ؛ لأنها لزمت ؛ لأن العطية نوع من الهبة ، فلو أعطى رجلًا ألف ريال وقبضها ، صار ملك الألف للمعْطَى ، ولا يمكن أن يرجع ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « ليس لنا مثل السوء ، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه » .
والوصية يملك الموصي الرجوع فيها ، فلو أوصى ببيته لفلان ، وقال: هذا البيت بعد موتي يُعْطَى فلانًا ملكًا له ، ثم رجع فإنه يجوز ؛ لأن الوصية لا تلزم إلا بعد الموت فله أن يرجع .
هذا هو الفرق الثاني: أن العطية اللازمة - وهي المقبوضة - لا يملك الرجوع فيها ، والوصية ولو قبضها الموصى له فإن الموصي يملك الرجوع فيها ؛ لأنها لا تلزم إلا بعد موته .
الفرق الثالث:
قوله:"ويعتبر القبول لها"أي: للعطية .
قوله:"عند وجودها"لأنها هبة ، فيعتبر أن يقبل المعطى العطية عند وجودها قبل موت المعطي فإذا أعطاه العطية فإنه يقبل في الحال ، والوصية لا يصح قبولها إلا بعد الموت ، حتى لو قال الموصي: إني أوصيت لك بهذا البيت بعد موتي ملكًا لك ، فقال الموصى له: قبلت وشكر الله سعيك وجزاك الله خيرًا ، وذهب إلى كاتب العدل وقال: إني أوصيت ببيتي لفلان بعد موتي ، فله أن يرجع ؛ لأنها وصية .
الفرق الرابع: أنه لا يثبت الملك للموصَى له من حين تم عقد الوصية ، بل الملك للموصي بخلاف العطية فإنه يثبت الملك فيها حين وجودها وقبولها ؛ ولهذا قال: