أما أبو بكر - رضي الله عنه - فقد سلك مسلكًا آخر واستنبط استنباطًا آخر ، وفهم فهمًا عميقًا ، فأوصى بالخمس ، وقال: أوصي بما رضيه الله لنفسه ، ثم تلا: { وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ } الآية [ سورة الأنفال: 41 ] ، ولذلك اعتمد الفقهاء - رحمهم الله - أن الجزء الذي ينبغي أن يوصى به هو الخمس .
وهذه - أيضًا - مسألة أحب من طلبة العلم أن ينبهوا الناس عليها ، فالآن الوصايا كلها - إلا ما شاء الله - بالثلث ، يقول الموصي: أوصيت بثلثي - سبحان الله !! - الرسول صلى الله عليه وسلم ماكسه سعد - رضي الله عنه - من الثلثين إلى النصف إلى الثلث فقال: (( الثلث كثير ) )فلماذا لا نرشد العامة - لا سيما إذا كان ورثتهم فقراء - أن يوصوا بالربع فأقل ؟ لكن هذا قليل مع الأسف ، والكتَّاب يُرضون من حضر إليهم للوصية ، يقول الكاتب: بكم تريد أن توصي ؟ فيقول: بالثلث ، فلا يقول الكاتب له: بل بالربع أو بالخمس ، وهذا غلط .
وأنا أرى أنه إذا طُلِب من إنسان أن يكتب وصية بالثلث ، أن يقول: يا أخي تريد الأفضل ؟ فإذا قال: نعم ، يقول له: الأفضل الخمس ، فإذا قال: أنا أريد أكثر فإننا ننقله إلى الربع ونقول: هذا هو الأفضل ، وأنت لو أردت التقرب إلى الله حقًا لتصدقت وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر ، أما الآن إذا فارقت المال تذهب تحرمه ممن جعله الله له ! فهذا لا ينبغي .
على كل حال الوصية لها جزء معين ينبغي أن تكون به والعطية لا ، فلا نقول: يسن أن يعطي الخمس أو الربع .
الفرق التاسع: يقول الفقهاء: الوصية تصح للحمل ، والعطية لا تصح ؛ ووجه ذلك أن الحمل لا يملك ، فإذا أعطيته لم يملك ، ولا يصح أن يتملك له والداه ؛ لأن الحمل ليس أهلًا للتملك والعطية لا بد أن يكون التملك فيها ناجزًا .