ووجه ذلك أن الحكمين في آية واحدة ، حكم الإحصار وحكم التمتع ، ومنزل الآية واحد وعالم بالأحكام - جل وعلا - ، قال في التمتع: { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ } [ البقرة: 196 ] ، وقال في الإحصار: { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ } [ البقرة: 196 ] فانتقل إلى حكم آخر ولم يذكر الصوم .
ولو كان الحكم واحدًا ، فهل يذكر الله - عزّ وجل - البدل في التمتع ولا يذكره في الإحصار ؟ !
الجواب: لا يمكن ؛ لأنه لما سكت الله - عزّ وجل - عن الصيام في الإحصار ، وأوجبه في التمتع لمن عدم الهدي ، دل على أن من لم يجد الهدي من المحصرين ،فليس عليه شيء فيحل بدون شيء .
ثم إن الظاهر من حال كثير من الصحابة - رضي الله عنهم - أنهم فقراء ، ولم ينقل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمرهم بالصيام ، والأصل براءة الذمة ، وفي كفارة القتل أوجب الله عتق الرقبة وقال: { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } [ النساء: 92 ] ذكر خصلتين فقط ، وفي كفارة الظهار أوجب الله - عزّ وجل - عتق الرقبة فقال: { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } [ المجادلة: 4 ] ، فذكر ثلاث خصال ولم يقيسوا كفارة القتل على كفارة الظهار ، في وجوب الإطعام على من لم يستطع الصوم مع أنهما في آيتين متباينتين متباعدتين ، وقالوا: لو كان الإطعام واجبًا إذا لم يستطع الصوم لذكره الله كما ذكره في آية الظهار .
فنقول هنا: لو كان الصيام واجبًا على من عدم الهدي في الإحصار لذكره الله ، وهذا وجه كونه مخالفًا للنص .