ولو أن إنسانًا قال لمريض: أنا لا أرقيك إلا بأجرة ، وهو يريد أن يرقيه بالقرآن ، فهذا يجوز ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية ، فنزلوا على قوم ضيوفًا ، فأبى القوم أن يضيفوهم بعث الله على سيدهم عقربًا فلدغته - وكانت والله أعلم شديدة - فطلبوا من يعالجه ، قالوا: لعل هؤلاء القوم فيهم من يرقي ، يعنون بذلك الصحابة - رضي الله عنهم - الذين تنحوا عنهم لمَّا لم يضيفوهم ، فجاؤوا إلى الصحابة - رضي الله عنهم - وقالوا: إن سيدهم قد لُدغ ، فهل منكم من راقٍ ؟ قالوا: نعم ، منا من يرقيه ، ولكن لا نرقيه إلا بطائفة من الغنم ؛ لأنكم ما أكرمتمونا ، ولا ضيفتمونا ، فقالوا: لا بأس ، فقرأ عليه القارئ ، فقام كأنما نشط من عقال بإذن الله ، ولم يقرأ عليه إلا سورة الفاتحة فقط ، التي يقرأها بعض الناس اليوم ألف مرة ولا يستفيد المريض ، فقرأ عليه سورة الفاتحة وبرأ بإذن الله ، فأعطوهم الطائفة من الغنم ولكن أشكل عليهم الأمر ، فقالوا: لا نأكل حتى نسأل النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدموا المدينة وأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا قال: (( نعم: كلوا واضربوا لي معكم بسهم ) )- عليه الصلاة والسلام - ، فأفتاهم بالقول وبالفعل من أجل أن تطمئن قلوبهم ، وإلا فالفتوى القولية تكفي وهو - عليه الصلاة والسلام - لا يسأل أحدًا لكنه سأل هذا لمصلحتهم لا لمصلحته هو ، فهو ليس بحاجة ولا ضرورة إلى لحمهم ، لكنه فعل ذلك لمصلحتهم لتطيب قلوبهم قال: (( خذوا واضربوا لي معكم بسهم فإن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) )فدل هذا على أنه لا بأس إذا كانت العبادة ذات نفع متعدٍّ ، وأراد الإنسان النفع المتعدي فلا بأس أن يأخذ عليه أجرًا ، ولو كانت من جنس الأشياء التي لا تقع إلا قربة ؛ لأن هذا القارئ ما قصد التعبد لله بالقراءة بل قصد نفع الغير ، إما التعليم أو الاستشفاء أو غير ذلك فهذا لا باس به .
139-ص ( 74 )