فالجواب: أنه في الترتيب لا يستحق البطن الثاني شيئًا مع البطن الأول ، وفي التقديم يستحق البطن الثاني مع الأول ما فضل عن الأول ، فالبطن الأول والثاني كلاهما مستحق لكن يقدم البطن الأول ، فيمكن أن يشترك البطن الأول والثاني في مسألة التقديم ، مثل أن يقول: هذا وقف على أولادي يُقدم الأحوج ، فإذا أعطينا الأحوج ما يكفيه - لأن الريع كثير - وبقي بقية أعطينا البطن الثاني ما يحتاجه منها ، لكن لو قال: وقف على أولادي ، ثم أولادهم وكان الريع كثيرًا وأعطينا الأولاد حاجتهم وزاد أضعافًا ، فهل نعطي البطن الثاني شيئًا ؟ لا ، لأنه قال: ( ثم ) وما بعد ( ثم ) لا يشارك ما قبلها لوجود الترتيب ، ولو قال: بطنًا بعد بطن ، فكذلك هو ترتيب .
155-ص ( 65 )
قوله:"الهبة والعطية"، الهبة مصدر وَهَبَ يَهَبُ هِبَةً ، وأصلها وِهْبَةٌ من وهب الشيء إذا أعطاه مثل وعد يَعِدُ عِدة واصلها وِعدة .
واعلم أن خروج المال بالتبرع يكون هبة ، ويكون هدية ، ويكون صدقة ، فما قصد به ثواب الآخرة بذاته فهو صدقة ، وما قصد به التودد والتأليف فهو هدية ، وما قصد به نفع المعطَى فهو هبة ، فهذا هو الفرق بينها ، والتودد والتأليف من الأمور المقصودة شرعًا ويقصد بها ثواب الآخرة ، لكن ثواب الآخرة لم يقصد فيها قصدًا أوليًا ، ولهذا يخصها بشخص معين ، أما الصدقة فلا يخصها بشخص معين ، بل أي فقير يواجهه يعطيه ، وكلها تتفق في أنها تبرع محض لا يطلب الباذل عليها شيئًا .
156-ص ( 70 )
قوله:"وتلزم بالقبض بإذن واهب"إذا تمت الهبة بالإيجاب والقبول فليس فيها خيار مجلس لكن فيها خيار مطلقًا حتى تقبض ؛ لأنها لا تلزم إلا بالقبض ، فلو قال: وهبتك كتابي الفلاني فقال: قبلت ، ولم يسلمه له ، ثم رجع ، فرجوعه جائز ؛ لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض ، فإذا قبضها فليس فيها خيار مجلس ؛ لأن هذا عقد تبرع ، والذي فيه خيار المجلس هو عقد المعاوضة .