والفرق بينهما ظاهر ، ففي عقد المعاوضة أعطى الشارع المتعاقدين مهلة ما داما في المجلس ؛ لأن الإنسان قد يرغب في السلعة ، وإذا بيعت عليه نزلت من عينه ، وهذا شيء مشاهد ، فجعل له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار إذا أحب أن يردها .
لكن الهبة ليس فيها معاوضة ، فهو أعطيها مجانًا ، حتى لو كان في الأول يحبها ثم أعطيها ونزلت من عينه ، فهذا لا يضر شيء ...
157-ص ( 73 )
قوله:"ووارث الواهب يقوم مقامه"يعني في الإقباض وعدمه ، فإذا مات الواهب بعد الإيجاب والقبول قبل أن يسلمها ، فلورثته الحق في أن يمنعوا التسليم ولهم أن ينفذوها ويسلموها .
وعلم من قوله"ووارث الواهب"أن وارث المتَّهب لا يقوم مقامه ، وعلى هذا فلو وهب شيئًا لشخص ثم مات الموهوب له قبل القبض ، بطلت الهبة ؛ لأنه تعذر قبضه بعد أن مات .
فإن قال قائل: ما الفرق بين هذا وهذا ؟
نقول: لأنه في مسألة الواهب عقد يؤول إلى اللزوم فلم ينفسخ بالموت ، أما المتهب إذا مات ولم يقبض شيئًا فليس هنا شيء حتى يرجع إلى ورثته ، ولذلك فرَّقوا - رحمهم الله - بين موت الواهب فقالوا: لا تبطل الهبة به ويقوم وارثه مقامه ، وبين موت المتهب فقالوا: إن الهبة تبطل لتعذر القبض حينئذٍ .
158-ص ( 86 )
قوله:"فإن مات قبله"أي قبل التسوية .
قوله:"ثبتت"أي ثبتت العطية ، يعني إذا مات الأب الذي فضل بعض الأولاد قبل أن يسوي ثبتت العطية ، فإذا أعطى أحدهم - مثلًا - عشرة آلاف ريال تبرعًا لا نفقة ثم مات ، فهذا العطاء يعتبر ملكًا للآخذ ويثبت ؛ لأنه لم يتمكن من الرجوع أو تمكن ولكنه فرط ، فالمطالب بالرجوع هو الأب وقد مات ، فسقط عنه التكليف بموته ، والابن الذي فُضِّل مَلَكه ملكًا تامًا هذا المذهب وهو قول ضعيف ؛ لأنه لا يجوز أن نمكن هذا الابن من أَخْذِ مالٍ لا يجوز له أخذه .