وتشتركان أيضًا في أنهما أدنى أجرًا وثوابًا من العطية في الصحة ؛ لأن المراتب ثلاث:
الأولى: عطية في الصحة .
الثانية: عطية في مرض الموت .
الثالثة: وصية .
أفضلها العطية في الصحة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: « أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر ، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ، وقد كان لفلان » .
يلي ذلك العطية في مرض الموت ، ويلي ذلك الوصية ، فالوصية متأخرة .
فإذا قال قائل: لماذا تجعلون العطية وهي في مرض الموت أفضل من الوصية ؟
فالجواب: أن المُعْطِي يأمل أن يشفى من هذا المرض ، والوصية لا تكون إلا بعد الموت .
أما المرض غير المخوف فهذا حكمه حكم الصحة ؛ لأن الرجل لا يتوقع الهلاك .
وقوله:"ويسوي بين المتقدم ولمتأخر في الوصية ، ويُبْدَأُ بالأول فالأول في العطية"، هذا هو الفرق الأول بينهما ، يعني إذا تزاحمت الوصايا والعطايا وضاق الثلث عنها ، فإنه في العطية يبدأ بالأول فالأول ، وفي الوصية يتساوى الجميع ، أما إذا لم تتزاحم وكان الثلث متسعًا فإنه يعطى الجميع ، سواء في الوصية أو العطية .
مثال ذلك: رجل أعطى شخصًا ألف ريال ، وأعطى آخر ألفي ريال ، وأعطى ثالثًا ثلاثة آلاف ريال ، فيكون المجموع ستة آلاف ريال ، ثم توفي ووجدنا تركته تسعة آلاف ريال ، ومن المعلوم أن هذه العطايا زادت على الثلث ، فماذا نصنع ؟
نقول: نعطي الأول فالأول ، فنعطي الأول ألف ريال ، والثاني ألفي ريال ، والثالث لا شيء له لأن التركة تسعة آلاف ثلثها ثلاثة ، والثلاثة استوعبتها عطية الأول والثاني ، فلا يكون للثالث شيء .
ووجه ذلك أن العطية تلزم بالقبض ويملكها المعطَى بالقبض ، فإذ ا أعطينا الأول ألفًا وأعطينا الثاني ألفين استقر ملكهما على ما أُعطياه ، ويأتي الثالث زائدًا على الثلث فلا يعطى .