الفصل الرابع العباسيون والدعوة الإسلامية إن الذين ثاروا على بني أمية كانوا مسلمين يرون أن هناك تقصيرا في عمل الحاكم، سوءا في سيرته. فهم ينشدون حكما أرضى لله، وأحنى على الأمة، وأدنى إلى تعاليم الكتاب والسنة …! وقد ظهر العباسيون أول ما ظهروا بصبغة دينية ورغبة في تقوى الله ورعاية عباده، ترى هل حققوا ما ارتبط بهم من آمال؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال نقول: إن الإسلام حول العرب من جاهلية وبداوة إلى معرفة واستنارة، ثم اطرد سير الزمن فاتسعت الثقافة وتنوعت العلوم.. حتى جاء العصر العباسي فإذا العرب والمسلمون جميعا ينشئون حضارة زاهرة، ويتألق الفكر الإنساني في أرضهم تألقا لم يعرف في أية بقعة أخرى، لقد كانت المسافة بين الأوربيين وأهل الإسلام ـ في العصر العباسى مثلًا ـ كالمسافة بين وسط إفريقية وعواصم الغرب الآن.. والفضل في ذلك لطبيعة الدين الذي ساد، ورست دعائمه، إن في كتاب الله وتراث محمد صلى الله عليه وسلم ثروة من العلوم الإنسانية والنظرات الكونية والأصول الفكرية تحيي الأمم إحياء... والمهم ليس في وجود هذه الثروة الطائلة، المهم هو في الإفادة منها وحسن توجيهها، إن المعادن قد توجد في الأرض جامدة وسائلة، ولكن من يستخرجها، ويشيد. بها صرح الصناعة والتقدم؟ لقد جاء العصر العباسي بعد تاريخ حافل والأجيال الأولى في الإسلام مقبلة على دينها مشغولة بالدرس والعمل، وقد استطاعت أن تتخطى به دسائس ص _029