الصفحة 26 من 206

واستبحار العمران، واتساع الثقافة، لكننا ـ على ضوء الدعوة ومتطلباتها ـ لا نرى بدأ من تسجيل ملاحظات شتى على كلا العصرين.. 1- لا ندري ما الذي جعل المسلمين يشوبون علمهم النقي بعلوم أخرى سقيمة رخيصة؟ إن نهر المعرفة الإسلامية شق مجراه في أنحاء الدولة، فروى جدبها وأحيا مواتها وجعل المسلمين أرجح كفة في الإلهيات والإنسانيات، وميزهم بفقه لا نظير له في الدقة والصدق والاستيعاب والشمول.. وتمت في القرن الثاني الثالث علوم الدين واللغة، وصحب هذا التمام صحو في الفكر الإسلامي من أثر التزامه لكتاب الله وسنة رسوله، وقيل بحق: إن المجتمع الإسلامي أرقى مجتمعات العالم. لكن الغنى الواسع الثروة في الحقائق، قد تصيبه لوثة فيبحث عن الخرافات في مظانها، ويستقدمها لتزاحم ما عنده. وهذا ما فعله العباسيون عندما شجعوا الترجمة، وأخذوا ينقلون تراث اليونان والسريان والفرس وغيرهم إلى اللغة العربية. وراجت سوق المنقولات الأجنبية حتى خيل إلى أن بعض العرب ألف من عند نفسه أشياء ليست من التراث الأجنبي إلا في العنوان، وتقدم بها ليربح ويعيش. إنني أرحب بنتائج العقل الإنساني الناضج، وأقدره، ولكنني لا أزاحم به وحي السماء، ولا أستحمق فأنقل تراب الأفكار وأزعمه تبرًا لأنه يحمل اسم فلان الفيلسوف، أو فلان الأديب.. لكن ذلك ما وقع، فكان عصر الترجمة شرا كبيرا على الثقافة الإسلامية. وقد نهضت عناصر المقاومة في الكيان الإسلامي كما تنهض الكرات البيضاء في الدم للاشتباك مع العلل الوافدة. ولا نزعم أن النجاة كانت كاملة. إن هذا الغزو الذي جلبناه بأيدينا بقيت له آثار رديئة في بعض المؤلفات الدينية. ص _032

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت