الصفحة 27 من 206

والغريب أن المحافظين تطيروا من كل مجتلب على تراثهم العربي فتجهموا لمنقولات لا بأس بها يمكن أن تزيد بها التجربة البشرية في نشدان الحق وطلب الكمال، وتلك عقبي الإسراف والإفراط. 2- كان أشد النواحي الدينية استقبالا للغزو الأجنبي علم الكلام والتصوف، ولا يصعب أن تميز الدخيل من الأصيل في هذه الميادين، إلا أن المزج يبلغ أحيانا درجة كبيرة من المهارة ، فإنكار المعتزلة لصفات المعاني تأثروا فيه بتفسير أرسطو للوحدانية المطلقة ، لقد ظل أرسطو يشرح الوجود الإلهي الأعلى، وينزه هذا الوجود من كل شيء إلا التأمل الذاتي.. فالإله ـ من ذاته ـ يعلم ويقدر ولا شيء إلا الذات. وكلام أرسطو لا يسلم له، وفيه مبالغات ظاهرة ومع ذلك فإن بعض علماء المسلمين مالوا إليه، وقالوا: إن القول بوجود الصفات قول بتعدد القدماء، وعقدوا مباحث سخيفة لهذه القضية ‍‍!!‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍وشغلوا بها جمهور الأمة.‍‍‍‍‍‍‍‍‍ ولأرسطو منطق ذكي يساعد على الجدل، ولا تزيد به المعارف الإنسانية، وقد رحب المسلمون ترحيبا حارا بهذا المنطق، حتى جاءت الحضارة الحديثة ‍‍‍!! فأنزلته عن عرشه ثم إن التصوف الإسلامي تأثر بالتصوف الهندي، والتصوف النصراني، وبعض الأفكار الإغريقية، ومن السهل أن تذم الدنيا بحجة الإقبال على الآخرة، وأن تحارب الجسد بحجة الإقبال على الروح، وأن تقبل مبادئ من وحدة الوجود بحجة الاستغراق في وحدة الشهود. وقد حمل علم التصوف جملة من هذه الأخطاء النفسية والفكرية وأشاعها بين جمهور المسلمين، وكان له أثر عميق في بلبلة العقل الإسلامي ومخاصمته للفقه الموزون. وأعان التصوف على بلوغ هذه الغاية إخلاص رجاله وحماسهم، وغلبة الصناعة والارتزاق على نفر من أهل الفقه والفتوى.. ص _033

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت