فهرس الكتاب
وأعرف أن يحيى بن زكريا عليه السلام طار رأسه من فوق منكبيه لأن الحاكم أمر. وقد أمر الحاكم لأن امرأة جميلة رأت هذا، فليكن ما رأت !! لقد اقشعرت الإنسانية من سير الأمور على هذا النحو. وأقامت ضوابط كثيرة لصيانة الدماء، دماء العوام فضلا عن دماء العباقرة. إن الأمم الكبيرة ليست كبيرة بأعدادها، وإنما هى كبيرة بإنتاجها العقلي وسبقها الحضاري، وهذا وذاك لا تصنعه الدهماء. إنما تصنعه العبقريات الرائدة والبصائر النفاذة، فأية مصيبة تجرها الأمم على نفسها يوم يجلد الأئمة ويسجنون، ويظفر بالتكريم والتنعيم ذوو الهمم القاعدة والغرائز الناشطة؟؟ إن العباسيين أساءوا إلى أنفسهم وأمتهم بهذا المسلك، ولا يزال كثير من الحكام يربط توقيره للعلماء بمدى ولائهم له. وتقديرهم لشخصه، فإذا فتروا أو انحرفوا تنكر لهم ونال منهم. وكان العباسيون ـ صدر دولتهم ـ يحترمون العلماء، ولا عجب فقد قاموا باسم الإصلاح الديني لعهد اتهموه بفساد كبير.. ويذكر التاريخ أن أبا جعفر المنصور اعتذر أشد الاعتذار لمالك إمام دار الهجرة لما اعتدى عليه الوالي بالضرب، وكاد يكسر ذراعه... وقبل مالك العذر، واستأنف تدريسه كما كان. ويذكر التاريخ أن أبا يوسف التلميذ الأول ل أبي حنيفة ـ عين قاضيا للقضاة أيام لرشيد ووجد الرجل لعمله مكبرين ومنتفعين! إلا أن هذا المسلك لم يطل ولم يعم، وكأن الدولة لا تمنح تقديرها وإعزازها إلا لمن يوافقونها على ما تفعل أو يلوذون بالصمت إذا حدث ما يوجب الاعتراض والجؤار. 4- الإسلام دعوة عالمية، والأمم التي تدخل فيه كثيرة. وبديه أن يكون العرب ـ أعنى الناطقين بالعربية ـ أهله الأقربين لأنهم فكره ولسانه. ص _035