فهرس الكتاب
وهذا لا يعنى افتياتًا على الأجناس الأخرى، فإن المسلمين إخوان مهما اختلفت أعراقهم وألوانهم. والقاعدة الموطدة التي لا يشغب عليها أحد:"إن أكرمكم عند الله أتقاكم". والجماعة الإسلامية تقوم بعملين يكمل أحدهما الآخر، ولا يغني عنه. فهي تقرب لغة القرآن والسنة من أهل الأرض، وتنشر العربية بحماس وذكاء. وهي في الوقت نفسه تتعرف على الأجناس الأخرى، ولغاتهم، وشئونهم المادية والأدبية، وترى ذلك من صميم جهادها. إن تذويب الفوارق بين الشعوب التي دخلت في الإسلام فريضة قائمة إلى آخر الدهر. واستحياء أى عصبية جنسية ضرب من الجاهلية الأولى، وخروج على دين الله القويم. وقد أحس الفرس أن العرب اجتازوا دونهم السلطة، فظاهروا على الحكم الأموي أهل البيت المعارضين له، وأمكنتهم الفرص من إسقاط السلطة الأموية.. وجاء العباسيون يعلنون أن دولتهم سوف تكون أقرب إلى تعاليم الإسلام ولا يفيد ذلك أن تكون مقاليد الأمور بيد الفرس.. لكن الفرس هم أصحاب الدالة على الحكم الجديد، ومن حقهم ـ وعلى سيوفهم قام ـ أن يتصدروا ويقودوا.. وقد مشت الدولة معهم حينًا، وغدرت بهم حينا، ولم يكن لرجالها من التجرد للمثل ما يضع الحق في نصابه، وينسى كل جنس نعرته المقيتة. فتنافس التياران الفارسي والعربي في الاستئثار بالسلطان والاستكثار من الأتباع. ويجب أن تذكر أن ذلك التحزب برز وقوي بين القريبين من الحاكم، والطامعين في مغانمه. أما جمهرة الأمة والسواد الأعظم من المسلمين فقد كانوا وراء الأئمة والعلماء والعباد، يملأون صفوف الصلاة، ودروس العلم وأسواق التجارة وأكناف البادية والحضر، وكأنهم يرون أن"السلطان من لا يعرف السلطان"... ص _036