فهرس الكتاب
والرجل ذو جدة في جاهليته وإسلامه وله سبق في الصدقة والنفقة على مطالب المسلمين. لكن حكام المسلمين في دولتي أمية والعباس توسعوا في أموال الأمة وأترفوا في معايشهم، وكانت لهم مسالك في المال العام يرفضها الفقهاء ويعترضون عليها سرًا وعلنا. وترف الأمويين كان مصطبغا بالطابع العربي ـ فيه قرب وبساطة، أما ترف العباسين فقد اصطبغ بالطابع الفارسي، واستحيا في فنونه تقاليد الأكاسرة وتشبعهم من أنواع اللذة. ومع إقبال أولئك الخلفاء على الدنيا تألفت أعداد من الأسر الحاكمة تؤخذ منهم الأسوة السيئة، وأعداد أخرى من الأتباع المولعين بتقليد الأكابر، والعيش في حواشيهم. فشاع الترف في المجتمع، وتقلصت تقاليد الصلاح والتقوى، وانكمشت مظاهر الجهاد والإعداد، أو حمل عبئها أهل الطبقتين الوسطى والدنيا. أما الجهاز الحاكم ومن يدور في فلكه فله شأن أخر ترفضه تعاليم الإسلام جملة وتفصيلا.. والغريب أن الخليفة كان حريصا أن يلقب بابن عم رسول الله !! الرسول الذي مات ولم يتشبع من طعام قط، والذي كان تمر الشهور ببيته ما توقد نار تحت قدر، إنما هما الأسودان: التمر والماء. أين وجه الشبه بين حاكم بغداد وبين الرجل الذي كان يرقع ثوبه. ويخصف نعله، ويحيي ليله قائما لله! إن الترف المتوارث أفسد الحكم والأمة، وكان له رد فعل عجيب. فإن أهل الإيمان لما رأوا هذه الشهوات الجامحة ألفوا مجتمعا آخر، زاهدا في الدنيا معاديا لشهواتها أنسحب من الحياة واعتزل ضجيجها ص _038