الصفحة 33 من 206

وفي هذا الجو ولد التصوف ونما، فكان الفعل ورد الفعل معا إساءة للإسلام، لأن الانسحاب من الحياة، واطراح مطالبها، يمكنان للظلمة، ويضعفان جانب الحق.. وقد توقحت المعصية وكلح وجهها ـ فعندما اعترض أحد العلماء على مديح أبي نواس للخمر، وزجره عن شربها أرسل قصيدته التي جاء فيها: فقل لمن يدعى في العلم معرفة حفظت شيئا، وغابت عنك أشياء ترى ما هى الأشياء التي غابت عن رجل الدين لما حارب الخمر وطارد شربها؟ أو ليس مزعجا ومذهلا في جو إسلامي رحب أن يتغنى مخنث كأبي نواس بمزايا الخمر فيقول مفتتحا القصيدة الآنفة: دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداونى بالتي كانت هى الداء‍‍‍‍‍‍‍!! قد يفهم هذا الكلام في لندن أو موسكو! أما في بغداد قصبة الخلافة الإسلامية، فذلك نذير انهيار لا يزال يمور حتى يستقر في قعر جهنم بالسكارى ومن تغاضى عنهم.. ونعود فنؤكد أن هذا الفساد كان في القشرة التي تتولى السلطة، أما الأمة نفسها فإنها ظلت على تحريم الحرام، وتحقير المنكر، وموالاة العلماء، والاحتشاد حولهم، واعتبار المترفين مجرمين مهما كانت مكانتهم...! لقد كان الخليفة العباسي يموت ـ وربما زهقت روحه على أيدي حاشية ـ فما يتبعه إلى قبره أحد، أما أئمة الدين فإن سكان بغداد كلهم كانوا يتبعون جثمان أحدهم إذا مات. وقد خرجت العاصمة كلها وراء أحمد بن حنبل، وأدرك الناس صلاة العصر آخر الوقت لاشتغال الألوف المؤلفة بتشييع الجنازة التي ملك صاحبها القلوب. *** ص _039

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت