الصفحة 35 من 206

وقد أثبت التحقيق العلمي أن الخلافة العباسية والفاطمية لم تبذلا جهدًا يذكر في مقاومة هذا العدوان، وأن الشتات الذي حل بالدولة كان السبب الأوحد في تلك الهزائم. ولم يقف الهجوم الصليبي عند أخذ القدس والمسجد الأقصى، بل إن البرتغاليين عن طريق الدراسات الجغرافية والجرأة النفسية عرفوا طريق رأس الرجا، الصالح والتفوا حول قارة إفريقية ليصلوا إلى جزيرة العرب من الجنوب، ويبنوا لهم حصونا في البحرين والحكومات الإسلامية تغط في نومها. وقد حاول"ماجلان"ـ المكتشف الأوروبي الصليبي ـ بعد ذلك أن يضع علم المسيحية على الجزر التي بلغها جنوب شرق آسيا، لولا أن أفرادًا من المسلمين منعوه وقتلوه ـ والحكومات الإسلامية لا تدري قليلا ولا كثيرًا، عما يراد للإسلام وأمته..! إنه ذهول فاجع جعل الغفلة التامة تسيطر على الأعصاب والأفكار، وعجزت الدولة ـ أو الدول الكثيرة ـ المنتمية إلى هذا الدين أن تدرك ما يفعل أعداؤها أو ما يبيتون. ووضع القدر حدا صارما لهذا الاعتلال، فسقطت الخلافة العباسية تحت أقدام التتار في منتصف القرن السابع.. ولا بد للباحث المصنف من التفريق بين أجهزة الحكم وأحوال الأمة نفسها.. فإن العفن الذي ضرب في القشرة نفسها لم يصل إلى اللباب... ظلت المساجد والمدارس وجماعات من العباد والزهاد وأولى الفقه والغيرة، وجماعات من التجار المقيمين والرحالة المتنقلين، ظلت أجهزة كبيرة في الأمة تؤدي عملها بنشاط أو كسل. ولما كانت الدعوة إلى الله في دم كل مسلم، وتوسيع دائرة الإسلام أملًا لكل من يتقرب إلى الله، فإن دار الإسلام ـ مع الخلل في أساليب الحكم ـ اتسعت أرجاؤها، وزادت أعداد الداخلين في الإسلام حتى شملت شرقا الجزر الكبيرة بين المحيطين الهادي والهندي ـ إندونيسيا وما يسمى الآن بالفيليبين ـ وحتى ص _041

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت