والغريب أن هذه السورة الثانية ذكرت صورة للغنى المطغى حين يستكبر على الحق، ويأبى التمشي مع المنطق السديد (ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا) . وعناية أوائل الوحي بالأوضاع الاقتصادية على هذا النحو الواعى له دلالته. والواقع أن الإسلام إذا خالط أمة من الأمم حولها إلى ميدان موار بالحركة واليقظة، مشغول بالبناء والإنشاء، يخاصم العلل المفسدة ويشتبك معها في قتال دائم، ويصادق أسباب النماء والعفة والتقى، ويغرسها بأعماق الجماعة. والإسلام معرفة لله، واستكانة لحكمه، وانسجام مع الكون المسبح بحمده، الهاتف بجلاله ومجده، فلا مكان في أرض الإسلام- الصحيح- لوثنية دينية أو سياسية، والشعار المهيمن على النفوس والصفوف هو"الله أكبر"يبدأ به الأذان ويختم، وتساس به الجماهير وتشغل، ويختلف الليل والنهار على الأمة الإسلامية وهي تعمل له، أو تستجم لمتابعة العمل. والدعوة الإسلامية دليل هذا كله وحاديه الأوحد. وربما وصف بالدعوة بعض الوعاظ الذين يرققون القلوب، ويذكرون بالخير ويعينون على العبادة. وهذا وصف يصح على ضرب من التجوز فإن النبى صلى الله عليه وسلم كان يتخول، أصحابه بالموعظة مخافة السآمة عليهم، ولكن شأن الدعوة أوسع مكانا وزمانا من هذا النصح المؤثر البليغ.. وربما منحت الدعوة أركانا في برامج الإعلام تطول أو تقصر، وقد يسمى أولئك المتحدثون دعاة على اختلاف الموضوعات التي يطرقونها، وهذا أيضا وصف مجازى للدعوة الإسلامية، فإن التدريس والحوار بعض الجوانب العلمية للرسالة الإسلامية. ص _009