فهرس الكتاب
وأشعرت المسلمين ـ حكامًا ومحكومين ـ أن أوروبا تريد الإجهاز عليهم، وأن الصليبية برغم تراجعها أمام صلاح الدين لا تزال تفكر تفكيرًا كله ضغائن وعدوان. إن هذا يفسر لنا: لماذا انطلق حكام الدولة العثمانية إلى شرق أوروبا، ولماذا عبأوا جيوشهم في الأناضول تحت راية التوحيد وزحفوا غربا لا هم لهم إلا ضرب الصليبية في عقر دارها، والثأر لما أصاب الإسلام والمسلمين من شرها. كان عثمان ـ رأس الدولة ـ مسلمًا شجاعًا طموحًا، حكم نحو ربع قرن وشن الحرب على عدوه فأحرز انتصارات باهرة كان آخرها الاستيلاء على مدينة"بروسة"التي جاءه نبأ فتحها وهو يحتضر، فأمر بتحويل كنيستها إلى مسجد، وأمر بنقل رفاته إلى هذا المسجد في ضريح خاص. ونحن نعرف أن هذا المسلك يرفضه الفقه الإسلامي، ولكن الشعور الغالب يومئذ كان المعاملة بالمثل، وما دام النصارى حولوا المساجد إلى كنائس، فلا حرج من مجازاتهم بمثل ما فعلوا !! كان ذلك في القرن الثامن بعد سقوط الخلافة العباسية بسبعين سنة !! وفي منتصف القرن التاسع وقع الحدث الضخم، فإن السلطان محمد الثاني توجه بجيش جرار إلى القسطنطينية وحاصرها برًا وبحرا، وكان الفن الحربي عند المسلمين الأتراك متقدمًا جدًا، كانت مدافعهم الصاروخية ترسل القذيفة زنتها اثنا عشر قنطارا إلى مسافة ميل وهو أمر في ذلك العصر يعد من الخوارق المعجزة. والغريب أن المسلمين الأتراك تقدموا من الجبهة نفسها التي تقدم منها المسلمون في منتصف القرن الأول ومات من أبطالهم أبو أيوب الأنصاري، وظل قبره على مشارف المدينة الشامخة ثمانية قرون، لقد صمدت للحصار الأول، وانصرف العرب يائسين تاركين شهداءهم الأوائل شاخصا يدل على الطريق، حتى جاء هؤلاء الأتراك فأكملوا الرسالة على يد رجل معروف بالصلاح والتقى والرغبة في الجهاد، هو محمد الثانى الذي عرف بعد بمحمد الفاتح. وتكريما لأبي أيوب الأنصاري أمر محمد الفاتح ببناء مسجد عند قبره يتم فيه