الصفحة 44 من 206

ولا نريد أن نجور في حكمنا على الخلافة التركية لتصرف نزق، أو مسلك أحمق! فإن الأتراك كانوا شعبا مسلمًا - وإن نقصته سعة العلم - وباسم الإسلام وحده التفت حولهم جموع المسلمين، وقاتلت معهم، وفرحت لانتصارهم، وبكت لانكسارهم وما عرفوه من تعاليم الإسلام طبقوه بحماس شديد، وأمل صادق في إرضاءا لله ورسوله... لقد ظل الأتراك على لغتهم وصبغتهم الجنسية، ولكنهم تشبثوا بالإسلام تشبثا شديدا في حياتهم الخاصة والعامة، فبنوا في عاصمتهم ومدائنهم أضخم المساجد، وطبعوا الألوف المؤلفة من المصاحف، وجعلوا الدين هو الطاقة الروحية التي تدفع الجنود إلى ساحات الوغي، وهم يرون أنهم بهذه الحروب يقلدون السلف الأول في الجهاد ومقاومة الكفر. وبديه أن يكون الإسلام الدين الرسمي للدولة، وأن تكون له هيئة علمية مسموعة الكلمة، مرموقة المكانة، وكان شيخ الإسلام في الآستانة أعلى مكانة من رئيس الوزراء وله وحده تخضع الهيئات التشريعية والقضائية.. وكان السلاطين الترك يوقرونه، ويخضعون له، ويستشيرونه، كما كان الشعب التركي يحترم علماء الدين، وينزل على رأيهم، ويلتمس رضاهم. وقد ألحقت بالمساجد مؤسسات لإطعام الفقراء، وقاعات يختلي فيها العباد، وذلك لأن طرق المتصوفين كانت منتشرة بين الجماهير، ونشأ عن ذلك بناء"التكايا"ووجود"الدراويش". وجاءت عصور على المسلمين الأتراك وغير الأتراك كانت كتل العوام تخضع فيها لشيوخ الطرق أكثر مما تخضع لرجال الدولة وتحرك باسم الدين فتصنع العجائب. والحق أن العسكرية التركية كانت وراءها عاطفة دينية هائلة دوخت أوروبا وروعتها، ومكنت رجلا كالسلطان سليمان القانوني أن يقود ستة عشر زحفا داخل العالم النصراني، حتى وصل إلى"فيينا"عاصمة النمسا.. ص _051

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت