الصفحة 45 من 206

لقد نسى الأوروبيون العرب، وفتوحهم الأولى، ورأوا أنفسهم وجهًا لوجه أمام خصم آخر شديد المراس، قوي الشكيمة حتى لأصبحت كلمة"تركي"يخوف بها الأطفال كما يخوفون بالعفاريت والأوهام. ويجزم المؤرخون المنصفون بأن ظهور الخلافة التركية هو الذي جمد الزحف الصليبى وحمى فلسطين والشرق الأوسط من حملات أخرى لمحو العروبة والإسلام. نعم.. لقد تأخرت هذه الحملات الصليبية من القرن العاشر إلى القرن الثالث عشر الهجري، وخلال هذه القرون الأربعة جرت أمور ذات بال.. وإذا كان الأتراك قد سيطروا على العالم العربي والإسلامي خلال القرن العاشر فإن قوتهم العسكرية بقيت على تألقها قرنا آخر، كان البحر الأحمر والأبيض والأسود خلاله بحيرات إسلامية تقريبا.. ثم بدأت جراثيم الضعف تعمل عملها في الكيان الإسلامى كله، الأجهزة الرسمية والشعبية على سواء.. كان اعتلال الدولة العثمانية مكشوفا لأعدائها، لأن نشاطها السياسي والعسكري تشعب في جبهات عديدة، شمل أغلب القارات، فكيف يخفي ما أصابها من عجز؟ لذلك سميت حكومة الرجل المريض.. وقد ظل الرجل المريض يغالب الموت قرنين طويلين ولم يسلم الروح إلا بمؤامرة ناجحة على قتله.. وبلوغ الدولة هذا الدرك الهابط يتطلب نظرات عميقة *** الدعوة الإسلامية في العهد التركى الأخير من القرن العاشر إلى الثالث عشر لم يظهر في العالم الإسلامي عالم مفكر، ولا أديب نابه، ولا شاعر عظيم ولا مؤلف ذكي، إلا فلتات تعد على الأصابع.. كان الجهل الغليظ يلف كل شيء، وكانت عجمة الدولة ـ كما أشرنا ـ سببًا في تخلف المسلمين دينيا ومدنيا. انتشرت البدع والخرافات والخيالات السقيمة، وتحول الإسلام إلى رسوم ص _052

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت