قال المؤرخون: إن نحو مائة ألف أدوا المناسك مع الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، واستمعوا إليه وهو يذكرهم بالإسلام في خلاصات نابضة ويقول"اللهم قد بلغت.. اللهم اشهد".. إن هذه الألوف عرفت دينها وقررت فرضه على الزمن... فلما ذهب رسولها إلى الرفيق الأعلى انطلقت وحدها بالرسالة وكأنه معها. إذا لم يكن معها بكيانه فقد كان معها بكتابه وسنته. ومن هنا مضى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من بعده ينشرون التوحيد، ويقيمون العدل، ويحاربون الأوهام والعوج، وتنظر إليهم الشعوب فترى فيهم ناسأ مكنوا في الأرض فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر... وهكذا استقرت الدعوة الإسلامية على عهد النبوة، ثم بدأت الدعوة طورا آخر على عهد الخلافة الراشدة. *** ص _011
الفصل الثانى شبهة مردودة إذا ذكرت دولة الخلافة ذكرت الحروب الهائلة التي دارت بينها وبين فارس الروم، وهما الدولتان الأوليان في العالم يومئذ. ونريد أن نؤكد حقيقة علمية وتاريخية يحاول البعض المراء فيها، وهي أن الدعوة الإسلامية تقوم على الإقناع الحر، ولا مجال فيها للإكراه والرغم. ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) ( ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا ) ( فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر ) ( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) وهناك نحو مائة آية في هذا المعنى تجعل الإيمان نتيجة فكر مختار ومشيئة مطلقة... سيقول البعض: كان ذلك في إبان ضعف المسلمين بمكة، فلما تبدلت الحال، وتماسك في أيديهم السيف، حاكموا الناس إليه، إذ نقول: بيننا وبينكم ما نزل من القرآن في المدينة، إنه يسير في ذات الاتجاه المكي، ويرفض الإكراه طريقا لنشر الدعوة ويؤكد مسئولية الإرادة البشرية فيما تأخذ وتدع. ص _012