الصفحة 67 من 206

إن التربية الصحيحة تقوم على حقائق واضحة، وعلى تقرير حاسم للمسئولية الإنسانية ولا يجدى في هذا المجال جدل ولا لعب بالألفاظ. ومذهب الأشعري الذي اعتنقه جمهور المتأخرين يتحدث عن المسئولية الشخصية بأسلوب غامض، لا تتضح معه عدالة التكليف حتي قال الظرفاء فيه: أخفى من كسب الأشعري! أما الصوفية.. فقد محقوا الإرادة البشرية، وجعلوا الإنسان مشدودًا بخيوط إلهية إلى مصيره المجهول أو المعلوم.. وكذلك فعل بعض علماء التفسير والحديث وهم يشرحون النصوص المتصلة بالقدر، ولا بد من تخليص العقل الإسلامي من هذا القصور والتخبط، بحيث يقبل المسلم على الحياة وهو موقن بأنه مكلف حسب استعدادات حرة، وأن له قدرة وإرادة يملكان قدرًا من الاستقلال يسئل به عما يفعل، وأنه لا جبر ولا افتيات ولا تمثيل في قصة هذه الحياة التي نحياها ..! المسلمون وقانون السببية: وينضم إلى شيوع مبدأ الجبر ضعف الصلة أو انقطاعها. بين الأسباب والمسببات، فعدد كبير من المربين والموجهين أشعروا الأمة بأن النار قد توجد ولا يوجد الإحراق، وأن الماء قد يوجد ولا يوجد الرى، وأن السكين قد يوجد ولا يوجد القطع.. وأن الواجبات العادية قد تتخلف، وأن قانون السببية ـ على الإجمال ـ غير ملزم ولا مطرد.. وعلماء الكلام الذين مالوا إلى هذا الرأى أرادوا الرد على بعض الفلسفات الإغريقية التي تجعل الأسباب خالقة، وتنسب إلى الطبائع ما يقع هنا وهناك.. وكلام اليونان أن الطبيعة تخلق، وأن السبب ـ من ذاته ـ يفعل كلام لا وزن له، ولا دليل عليه، بيد أن الرد لا يكون بنفى ما أودع الله في الأشياء من خواص، وما ناطه بها من آثار، فإن الأسباب ـ بقدر الله فيها ـ تؤتي ص _074

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت