الصفحة 70 من 123

هذا الوضع المزري ينتقل بالطبع إلي كل ما هو مكتوب باللغة العربية ، وأعظم ذلك القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين ، فلا يحسن قراءته فضلا عن فهمه وتدبره ، وهذا آخر المطاف المطلوب ، صرف الجيل عن تراث الأمة الإسلامية المكتوب بلسانها العربي ، وفي مقدمتها الوحيان الشريفان الكتاب والسنة ، والانصراف إلي التراث الوافد المكتوب باللغة التي تلقنها وشب عليها ، وكسر عقود حياته في دراستها ، كما هو مشاهد ومعروف في أبناء كثير من الدول العربية التي سلخ الاستعمار لسانها (52) .

فهذه المدارس المظلمة بالقومية القائمة مِهادٌ لنشر ثقافتها التاريخية ، ولضرب الحصار علي عقلية الجيل المسلم عن تاريخه وشحنه بتاريخ أوروبا وأمريكا مثلا ، فهو لا يري من خلال دراسته وموادها وأساتذتها ومناهجها إلا تاريخ أوروبا مثلا ، وأنها أرقي الشعوب ، مدنيتها هي الأم للعالم ، وأنها هي الجديرة بالسيطرة علي العالم قوة وفكرا ، وأما تاريخ الإسلام فمحجوب عنه مشوب بالنقص والاحتقار ، والحاصل أن التعليم الأجنبي إبادة للأجيال المسلمة ، وصياغة لها في ثقافتها التاريخية بما لا صلة له بالإسلام ولا بالمسلمين .

إن الوليد المسلم الذي يرمي به أبواه في أحضان هذه المدارس الاستعمارية إما أن يخرج مسلما خواء مفرغا من مقوماته من حيث لا يشعر ، مشحونا بمقومات غيره في دينه وثقافته ، يستخدمونه لأغراضهم وغاياتهم ، وإما رِدّة إلي غير دين ، وإما الرِّدة إلي النصرانية واستحسان شعائرهم وترانيمهم ، وإثارة الشبه حول الإسلام وتلقينها تلكم النفوس البريئة (53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت