فهرس الكتاب
أقول: إن الأستاذ وأمثاله يتكلمون بكلام يصعب على العقلاء إدراكه؛ لأن عباراته متناقضة، فأول الفقرة يخالف آخرها، فكيف يكون هؤلاء الأئمة بذلوا كلَّ وسعهم في هداية الناس، ثم نهوهم عن تقليدهم، فطالما أنهم نهوهم فقد منعوهم من هذه الهداية التي بيَّنوها؛ لأنه لأحد أن يقلدهم ويأخذ شيئًا عنهم، وصارت الإعانة للناس التي ذكرها لا معنى لها؛ لأن عوام المسلمين لا بد أن يشتغلوا بالحرث والنسل؛ لديمومة الحياة، فإن تركوا أعمالهم وتفرغوا للاجتهاد في دين الله فسد المعاش، ولا يقول بذلك أحد من أهل الفهم والعلم، وإن انشغلوا بتدبير أمور حياتهم كان لا بُدَّ لهم من أن يسألوا أهل الذكر في أمور دينهم، ويقلدوهم عليه، وهذا ما حضَّ عليه القرآن العظيم، وأرشد إليه النبي الكريم، وسار عليه صحابته ( والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
وقد أجبت عن شبهة نهي الأئمة تقليدهم في (( المدخل ) ) (1) ، فقلت:
فهذا وإن سُلِّمَ ثبوته بهذا العموم فإنه محمول على ما يلي:
إنه من باب التواضع، فمعلوم أن هذه مسائل ظنية يجتهد الفقيه فيها بقدر وسعه للوصول إلى الصواب، فمَن دعا غيره لتقليده في مثل هذا تكبَّر وتعاظم، وهذا ليس من أخلاق العلماء المخلصين، فكيف يكون خلق الأئمة (.
إنه من باب رفع همم طلاب العلم إلى معرفة أدلّة المسائل الفقهية وعدم الاعتماد على مجرد الأقوال فحسب؛ لحفظ هذا العلم العظيم، ولتطمئن النفوس لهذه الفروع بمعرفة دليلها، لثقة هؤلاء الأئمة بأن مسائلهم مأخوذة من الكتاب والسنة، وهذا معنى قول عصام بن يوسف بن ميمون: (( كنت في مأتم وقد اجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة (:زفر وأبو يوسف وعافية وآخر(، فأجمعوا على أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا حتى يعلم من أين قلنا ) ) (2) .
(1) المدخل إلى دراسة الفقه ص214-216.
(2) ينظر: الجواهر المضية 2: 528، وغيرها.