فهرس الكتاب
هذه العبارة الصادرة من الإمام الكرخي (ت340هـ) ، والذي يعدَّ من كبار المجتهدين في المذهب الحنفي، لم تلق أي استنكار رغم مضي أكثر من ألف سنة على قولهم، إلا من المتعالمين في زماننا، ممن لم يدرسوا العلوم على العلماء، وإنما ظنوا بمطالعتهم لبعض الكتب المتفرقة أنهم أصبحوا من العلماء الكاملين، فنصبوا أنفسهم حكامًا على الدين وأئمته، ورموهم بما تستحقّه أنفسهم المقصّرة العابثة، والله المستعان.
الثاني: إن إغلاق باب الاجتهاد بمعنى إيقاف استخراج الأحكام الشرعية، لم يقول به أئمة وفقهاؤنا السابقون؛ لأنهم استمروا في استنباط الأحكام وتخريجها على مدار القرون، بدليل أن الفقه كان هو الحاكم في حياتهم الشخصية، والقضائية، والدولية؛ لأنه كان قوانين الدول الإسلامية المتعاقبة كانت مأخوذة منه، ومع ذلك لم نقف منهم على شكوى من تقصير الفقه والفقهاء في إيفاء حاجاتهم؛ لأن العلماء كانوا يبينوا ويستخرجوا من الأحكام ما يسدَّ حاجة مجتعمات.
وإن كتب الفتاوى والمطولات الفقهية لأكبر دليل على أن باب الاجتهاد لم يغلق؛ لأننا نجد فيها من المسائل الجديدة المستنبطة ما لا يحد ولا يحصى في كل عصر وزمان.
فمعنى سدّ باب الاجتهاد هو سدّ باب التلاعب في الشريعة لموافقة الأهواء والملذات، وتلبية للرغبات والجاه والسلطان، والذي يقوم على البدء من نقطة الصفر في معرفة الأحكام، وعدم الاستفادة مما فعله أئمة الدين في استخراج الفروع والتأصيل والتقعيد، بعمل ما عملوه من الاستخراج من الكتاب والسنة.