فهرس الكتاب
(( إلا أن الناس بعدهم قد فترت هممهم، وضعفت عزائهمهم وتحركت فيهم غريزة المحاكاة التقليد، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه، ويعلو عليه، ويتعصب له، ويبذل كل ما أوتي من قوة في نصرته، وينزل قول إمامه منزلة قول الشارع، ولا يستجيز لنفسه أن يفتي في مسألة بما يخالف ما استنبطه إمامه، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكَرْخي: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ.
وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتاب والسنة، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، واعتبر كل من يخرج عن أقوال الفقهاء مبتدعًا لا يوثق بأقواله، ولا يعتد بفتاويه )) .
أقول: سبق بيان تهافت هذا الكلام عند ذكر أصل فقه الكتاب والسنة، إلا أنني سأنبه على أمور لم أذكرها هناك:
الأول: إن من المسلَّمات عند العلماء الراسخين والطلبة الكاملين أنه لا بدَّ من إحسان الاعتقاد بأئمة هذا الدين الحنيف، ومن حسن الاعتقاد بهم أن نظنَّ أن لم يتعمَّدوا مخالفة قول الله (، ولا الإعراض عن سنّة نبيه (، وأنهم بذلوا قصارى جهدهم في تتبع الأحكام والجمع بين الآيات والأحاديث والآثار في استخراج الفروع.
وبذلك تكون كل ظاهر آية أو حديث مخالف لحكم قالوه بعد كل هذا الاستقراء الذي عملوه مستندين إلى أصول أصلوها وقواعد أحكموها، لا بدَّ أن يكون مؤولًا أو منسوخًا؛ وإلا لكانوا عابثين في الدين لاعبين في أحكام الله (، يقولون ما يتناقض مع كتاب الله ( وسنة نبينا (، وهذا مما يتنزّه عنه القاصرون، فما بالك بالأئمة الكاملين الذين خضعت لهم الأمة، واستنارت بأقوالهم وأفعالهم.