فهرس الكتاب
ورغم كل ذلك أيضًا لم يكن هذا هو السبب في انتشار المذاهب وشيوعها والتزامها، وإنما هو إخلاص العلماء والفقهاء في نشر المذاهب والحفاظ على الدين من العبث والتلاعب، وكم من أئمة لم يكن لهم أي منصب في الدولة، ومع ذلك كانوا سببًا في انتشار مذهب معين في بلاد شاسعة، وما كل هذا إلا بالإخلاص، ومن يطالع كتب التاريخ يدرك ذلك بكل وضوح.
وأما هذه القصة التي أتى بها الأستاذ عن البلقيني فإنه لم يذكرها مصدرها فلا ندري أهي من حلم رآه في الليل، أم من كتاب قصص، أم من كتاب معتمد معتبر في النقل، فإن من ينصب نفسه حكمًا على أمة وعلمائها وفقهائها ويخطئهم بطريقهم التي سلكوها في كل هذه القرون المتطاولة، ثم لا يلتزم بأدنى أوليات البحث العلمي من توثيق ما يذكر من معلومات، وكأنه يظن نفسه في أمسية لتبادل أطراف الحديث مع عوام يريدون أن يتسامروا، فلا يوثق أحدهم ما يقول، وهذا الفعل من الأستاذ في كتابه هذا حتى مع أحاديث رسول الله ( فإنه كثيرًا ما يذكرها دون أن يبين من أين مصدرها.
ومع ذلك فليس في هذه القصة إلا بيان تمسك العلماء بالمذاهب الإسلامية رغم وصول بعضه إلى درجة الاجتهاد المستقل كيلا يفتحوا باب شرٍّ على المسلمين يدخل منه أصحاب الأهواء بحجة أنهم اكتملت فيها آلة الاجتهاد، فيعبثوا في دين العامة، ويخلطوه عليهم، ولذلك لمن يفعل ذلك أن لا يوليه العلماء الوظائف وينبذوه وينسبوه إلى البدعة حفاظًا على الإسلام وأهله.
قال الأستاذ:
(( وبالعكوف على التقليد، وفقد الهداية بالكتاب والسنة، والقول بانسداد باب الاجتهاد وقعت الأمة في شرٍّ وبلاء، ودخلت في جحر الضبّ الذي حذّرها رسول الله( منه ) ).