فهرس الكتاب
أقول: إن هذا التقليد الذي تستنكره أمر به الله ( وأرشده إليه نبيه ومشى عليه الصحابة ( ومن بعدهم كما سبق؛ لأنه لا حياة للأمة إلا به، وإلا لنقطع الحرث والنسل، هذا بالنسبة للعوام، أما بالنسبة للعلماء فكما سبق أيضًا، فإنه من باب الحفاظ على الدين وضبط الأحكام وتنظيم أمور المجتمع دفعًا لعبث العابثين وتملق المتملقين.
وإن عدم الامعان في دراسة الفقه في العصر النبوي وعصر الصحابة والتابعين ( تجعلنا أن نظن أن التقليد حصل بعد القرن الثالث، وفي هذا نظر ظاهر؛ لأنه ابتدأ مع بداية الوحي، فسيدنا رسول الله بعث معاذًا وعليًا ( إلى اليمن يفتون الناس ويقضون بينهم باجتهادهم والمسلمون يقلدونهم، وكذلك إفتاء بعض الصحابة ( ممن تولوا السرايا ومن معهم يقلدونهم، وكذلك وجود خمسة من صحابته ( يفتون في المدينة بمحضره، وهكذا.
وفي عصر الخلفاء الراشدين ( كان الحال في غاية الانتظام فلا يتصدر للإفتاء أي أحد؛ لأن هذا منصب خطير للغاية، يتوقف عليه استقرار المجتمع، فها هو سيدنا عمر ( ينهى أبا هريرة الصحابي الجليل عن التحديث، وهو أقل مرتبة من التفقيه والإفتاء، فيقول له: (لتتركنَّ الحديث عن رسول الله( أو لألحقنك بأرض دوس، وقال لكعب: لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة) (1) ؛ لأنا في عهد عمر ( لم يزل كبار الصحابة ( أحياء، وأبو هريرة ( بالنسبة لهم صغير وعهده بالإسلام جديد أيضًا، غاية ما في الأمر أن أمر ضبط الفتيا اعتنى به النبي ( والصحابة ( فلم يولوا إلا من كان أهلا له مع المراقبة الشديدة لما يصدر عنهم من فتاوى، وما هذا إلا ليحافظوا على دينهم ومجتمعهم.
(1) في تاريخ أبي زرعة 1: 286، والبداية والنهاية 8: 106، وتاريخ ابن عساكر 19: 117/2كما في سير أعلام النبلاء 2: 600-601، قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.