فهرس الكتاب
…وذلك لأن علم النفس مبني في جملته على نظرته للغرائز ونظرته للدماغ. فهو ينظر إلى أن في الإنسان غرائز كثيرة منها ما اكتُشف ومنها ما لم يُكتشف، وبنى علماء النفس على هذه النظرة للغرائز نظريات خاطئة، فكان ذلك من الأسباب التي أدت إلى الخطأ في كثير من الأفكار الموجودة في علم النفس. أمّا النظرة إلى الدماغ، فإن علم النفس يعتبر الدماغ مقسمًا إلى مناطق وأن كل منطقة لها قابلية خاصة، وأن في بعض الأدمغة قابليات ليست موجودة في أدمغة أخرى. وبناء على هذا فإن بعض الناس فيهم قابلية لفهم اللغات وليس فيهم قابلية لفهم الرياضيات، وهناك أشخاص على العكس فيهم قابلية لفهم الرياضيات وليس فيهم قابلية فهم اللغات. وهكذا بُنيت على هذه النظرة الخاطئة نظريات خاطئة. فكان هذا أيضًا من الأسباب التي أدت إلى الخطأ في كثير من الأفكار الموجودة في علم النفس.
…والحقيقة في هذا كله هي: أن المشاهَد بالحس مِن تتبُّع الرجْع أو رد الفعل أن الإنسان فيه طاقة حيوية لها مظهران: أحدهما يتطلب الإشباع الحتمي وإذا لم يُشبَع يموت الإنسان والثاني يتطلب الإشباع وإذا لم يُشبَع يبقى الإنسان حيًا ولكنه يتألم وينزعج من عدم الإشباع. والمظهر الأول يتمثل في الحاجات العضوية كالجوع والعطش وقضاء الحاجة، والمظهر الثاني يتمثل في الغرائز وهي غريزة التدين وغريزة النوع وغريزة البقاء. وهذه الغرائز هي الشعور بالعجز والشعور ببقاء النوع والشعور ببقاء الذات ولا يوجد غير ذلك. وما عدا هذه الغرائز الثلاث هي مظاهر للغرائز كالخوف والسيادة والملكية مظاهر لغريزة البقاء، وإكبار الأبطال والعبادة مظاهر لغريزة التدين، والميل الجنسي والأبوة والأمومة والأخوة مظاهر لغريزة النوع. وهكذا كل مظهر من المظاهر يرجع إلى غريزة من هذه الغرائز.