فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 127

…والحقيقة هي أن المجتمع ليس مكونًا من أفراد مطلقًا، فالفرد مع الفرد مع الفرد يكوّنون جماعة وليس مجتمعًا، والجماعة لا تشكل مجتمعًا إلاّ إذا نشأت بين أفرادها علاقات دائمية، فإذا لم تنشأ علاقات ظلوا جماعة. ومن هنا كان وجود عشرة آلاف شخص مسافرين في باخرة لا يجعل منهم مجتمعًا بل يظلون جماعة، ولكن وجود مائتي شخص في قرية يشكلون مجتمعًا لِما بينهم من علاقات دائمية. فوجود العلاقة الدائمية بين الجماعة هو الذي يجعل منهم مجتمعًا. فالبحث في المجتمع يجب أن يكون بحثًا في العلاقات لا بحثًا في الجماعة. إلاّ أن الذي يوجِد هذه العلاقة بين الأفراد إنّما هو المصلحة التي لهم، فإذا كانت هنالك مصلحة لهم نشأت بينهم علاقة، وإذا لم تكن هناك مصلحة لا تنشأ علاقات. والمصلحة لا تُنشئ علاقة إلاّ إذا اجتمعت فيها ثلاثة أمور: أحدها أن يتوحد فكر الطرفين على اعتبار أن هذه مصلحة، فإذا رآها أحدهما مصلحة والآخر رآها مفسدة لا تنشأ بينهما علاقة، فلأجل أن تنشأ العلاقة يجب أن يراها كل منهما أنها مصلحة. والثاني أن تتوحد المشاعر على المصلحة، فإذا فرح لها الطرفان أو غضبوا منها تكوّنت علاقة، أمّا إذا فرح بها أحدهما وغضب منها الآخر لا تنشأ منها علاقة. والثالث أن يتوحد النظام الذي ينظم هذه المصلحة، فإذا نظم أحد الطرفين المصلحة على نظام ورفض الآخر هذا النظام ونظمها على نظام آخر لا تنشأ بينهما علاقة، فلا بد أن يتفق الطرفان على كيفية تنظيم المصلحة لهما.

…فبتوحيد الأفكار والمشاعر والأنظمة في الأفراد ينشأ المجتمع. إلاّ أن هؤلاء الأفراد يُنشئون مجتمعًا معينًا خاصًا بهم، فإذا أرادوا ضم غيرهم لهم من مجتمعات أخرى، كان عليهم أن ينقضوا الأفكار والمشاعر والنظام عند الطرفين بأفكار ومشاعر وأنظمة أخرى للجميع حتى يكوّنوا مجتمعًا، ولذلك لا يكون تعريف المجتمع بالأفراد منطبقًا على المجتمع المبدئي وإنّما ينطبق على مجتمع خاص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت