فهرس الكتاب
…الوعي على الأوضاع السياسية أو على الموقف الدولي أو على الحوادث السياسية غير الوعي السياسي. لأن الوعي على الأوضاع السياسية أو الموقف الدولي أو الحوادث السياسية هو تدبّرها، أمّا الوعي السياسي فهو تدبر الإنسان لرعاية شؤونه. والوعي السياسي هو النظرة إلى العالم من زاوية خاصة. فالنظرة إلى العالم من غير زاوية خاصة تعتبر سطحية وليس وعيًا سياسيًا، والنظرة إلى المجال المحلي وحده تفاهة وليس وعيًا سياسيًا. ولا يتم وجود الوعي السياسي إلاّ إذا توفر فيه عنصران: أحدهما أن تكون النظرة إلى العالم كله، والثاني أن تنطلق هذه النظرة من زاوية خاصة محددة، أيًا كانت هذه الزاوية، سواء أكانت مبدأ معينًا أو فكرة معينة. إلاّ أن الزاوية الخاصة إن كانت مبدأ تجعل الوعي السياسي ثابتًا آخذًا طريقه في اتجاه غاياته كلها نحو غاية واحدة لا يتحول عنها ويكسب العراقة والتركيز في نفس الأمّة لا في نفس أفراد فحسب.
…والوعي السياسي يحتم طبيعيًا خوض النضال في سبيل تكوين مفهوم معين عن الحياة لدى الإنسان من حيث هو إنسان، في كل مكان. وتكوين هذا المفهوم هو المسؤولية الأولى التي ألقيت على كاهل الواعي سياسيًا والتي لا تنال الراحة إلاّ ببذل المشقة لأدائها.
…والواعي سياسيًا يتحتم عليه أن يخوض النضال ضد جميع الاتجاهات التي تناقض اتجاهه وضد جميع المفاهيم التي تناقض مفاهيمه، في الوقت الذي يخوض فيه النضال لتركيز مفاهيمه وغرس اتجاهاته، فإنه لا ينفصل أحدهما عن الآخر في النضال قيد شعرة. ويدخل في ذلك النضال ضد المطاعن التي تهاجم مفهومه عن الحياة وضد مفاهيم الأعماق التي جاءت من العصور الهابطة، وضد التأثير الرأسمالي الذي يتمكن منه بواسطة تحقيق الطلبات الآنية، وضد اختصار الغايات السامية بغايات جزئية.