فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 127

…وكذلك هذه الأشياء المدرَكة المحسوسة، فإن وجودها أمر قطعي لأنها مشاهَدة محسوسة، وكونها محتاجة لغيرها أمر قطعي، لأنه مشاهَد محسوس. فالأجرام السماوية محتاجة إلى النظام، والنار حتى تحرق محتاجة لمن يستعملها، وهكذا كل شيء مدرَك محسوس محتاج لغيره. والمحتاج لا يمكن أن يكون أزليًا، إذ لو كان أزليًا لاستغنى عن غيره، فكونه محتاجًا معناه أنه ليس بأزلي. وعلى ذلك فإنّ كون الأشياء المدرَكة المحسوسة جميعها مخلوقة أمر قطعي، إذ غير الأزلي يعني أنه مخلوق لخالق. فالإحساس بهذه المخلوقات كالإحساس بصوت الطائرة أمر قطعي، ووجود خالق لهذه المخلوقات صدرت عنه، كوجود الطائرة التي صدر عنها الصوت، أمر قطعي، فصار وجود الخالق للمخلوقات أمرًا قطعيًا. فالإنسان قد أدرك المخلوقات بحسه وعقله، وأدرك من الإحساس بها وجود خالق لها قطعًا. فوجود الخالق حقيقة قد لمس الإنسان وجودها بالحس وليس فكرة تخيلها الإنسان في ذهنه.

…وهذا الخالق يجب عقلًا أن يكون أزليًا، إذ لو كان غير أزلي لكان محتاجًا فيكون مخلوقًا، وبما أن الطبيعة ليست أزلية لأنها محتاجة إلى أن تسير بنسب وأحوال معينة لا تستطيع إلاّ أن تتقيد بها فهي محتاجة إلى هذه النسب والأحوال. وبما أن المادة ليست أزلية لأنها محتاجة إذ لا تستطيع أن تتحول من حال إلى حال إلاّ بتكاثر معين ونسب معينة، ولا تستطيع إلاّ أن تتقيد بهذه النسب وهذا القدر من التكاثر، فهي محتاجة، فتكون الطبيعة ليست خالقًا لأنها ليست أزلية قديمة، وتكون المادة ليست خالقًا لأنها ليست أزلية قديمة، فلم يبق إلاّ أن يكون الخالق هو الله تعالى، أي: ذلك الأزلي القديم الذي يسميه الناس الله، أو GOD أو الهيم، أو ما شاكل ذلك من الأسماء التي تدل على مسمى واحد هو الله، أي الخالق الأزلي القديم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت