فهرس الكتاب
…فالله تعالى قد طلب منا أن ندعوه وبيّن لنا أنه وحده الذي يجيب الدعاء دون غيره. وأوضح لنا شيئًا مما كانت تدعو به الملائكة، فيُندَب للمسلم أن يدعو الله في السراء والضراء، في السر والعَلَن، حتى ينال ثواب الله. والدعاء أفضل من السكوت والرضا, لكثرة الأدلة الدالة عليه، ولِما فيه من إظهار الخضوع والافتقار إلى الله تعالى.
…ولكن يجب أن يكون واضحًا أن الدعاء لا يغيّر ما في علم الله، ولا يدفع قضاء، ولا يسلب قدرًا، ولا يحدث شيئًا على غير سببه. لأن علم الله متحقق حتمًا، وقضاء الله واقع لا محالة. إذ لو دفعه الدعاء لَما كان قضاء. والقدر أوجده الله فلا يسلبه الدعاء. والله خلق الأسباب ومسبَّباتها، وجعل السبب يُنتج المسبَّب حتمًا، ولو لم ينتجه لما كان سببًا. ولذلك لا يجوز أن يُعتقد أن الدعاء طريقة لقضاء الحاجة، حتى لو استجاب الله وقُضيت الحاجة بالفعل. لأن الله جعل للكون والإنسان والحياة نظامًا تسير عليه، وربط الأسباب بالمسبَّبات. والدعاء لا يؤثر في خرق أنظمة الله ولا في تخلف الأسباب. وإنّما الغاية من الدعاء تحصيل الثواب بامتثال أمر الله. وهو عبادة من العبادات. فكما أن الصلاة عبادة والصوم عبادة والزكاة عبادة.. الخ، فكذلك الدعاء عبادة. فيدعو المؤمن ويطلب من الله قضاء حاجته، أو كشف غمّته، أو غير ذلك من الأدعية المتعلقة بالدنيا والآخرة التجاءً إلى الله، وخضوعًا وطلبًا لثوابه، وامتثالًا لأوامره. فإن قُضيت حاجته كان فضلًا من الله، ويكون قضاؤها وفق أنظمة الله سائرًا على قاعدة ربط الأسباب بالمسبَّبات، وإن لم يقضها كُتب له ثوابها.