فهرس الكتاب
…والمشاعر تهتز لهذا التقديس اهتزازًا يقوى ويضعف بحسب المفاهيم المربوطة بالمشاعر لأنها هي التي تعيّن كيفية التقديس ومتى يكون التقديس ومتى لا يكون. ولذلك تحصل المغالطة في صرف التقديس عن أشياء لأشياء أخرى، كما تحصل المغالطة في تقديس الخالق إلى تقديس المخلوقات، وقد تحصل المغالطة في كيفيات التقديس، فيعتبِر أن قيامه بتقبيل القرآن هو تقديسه، ولو فعل أو قال في نفس الوقت ما يناقض هذا التقديس كأن يمس القرآن وهو غير متوضئ، أو يقول إن القرآن أصبح لا يصلح لهذا العصر. فهو قد قدّس القرآن بتقبيله ولو خالف ما نص عليه صراحة وهو قوله: (لا يمسه إلاّ المُطّهَّرون) ، أو كفر به صراحة بقوله إنه لا يصلح.
…ومن هنا كان بالإمكان سلب التقديس عن أشياء إما لغيرها أو بالإيهام أن العمل الفلاني وحده تقديس لها والعمل الآخر ليس تقديسًا ولا شأن له بالتقديس ولا يناقضه. وهذا السلب يحصل بواسطة المغالطات عن طريق تغيير المفاهيم، وهذا سهل ميسور وفي متناول الناس جمعيًا أن يفعلوه مع من ينشأ تقديسهم بدافع مشاعرهم، لأنه سهل أن يغير المفاهيم المربوطة بهذه المشاعر، لأنها غالبًا ما تكون مفاهيم غريزية أو مفاهيم تسليمية سهلٌ قلعها. أمّا التقديس الناجم عن دافع الفكر المقرون بمشاعر حركها نفس الفكر فإنه يصعب سلب التقديس وإن كان ممكنًا لذوي القدرة على التلاعب بالأفكار والجمل، ولكنه يلاقي مقاومة عنيفة قبل أن يحصل فيه التغيير. ولهذا كان لا بد أن يحصل التقديس عن دافع فكري مقرون بمشاعر حتى يكون تقديسًا ثابتًا وحتى يؤمن خطؤه وضلاله.