فهرس الكتاب
…والتقديس من حيث هو عند المسلم كالعقيدة يجب أن تصدر عن عقل هو بطبيعته ناجم عن دافع العقيدة، وهي عقيدة عقلية، ولذلك كان لا بد من التثبت ممن يقدس ومما يقدس، غير أنه إذا ثبت أنه واجب التقديس تحتّم تقديسه ويصبح حينئذ معنى تقديسه عدم قبول المناقشة فيه بعدما ثبتت صحة تقديسه إلاّ في حالة إرادة إقناع الغير بتقديسه. لأن معنى إعادة المناقشة والبحث فيه بعد ثبوت صحة التقديس تنافي التقديس، كما أن إعادة المناقشة والبحث في العقيدة بعد ثبوت العقيدة ينافي كونها عقيدة، بل يجب أن تنتقل العقيدة من فلسفة إلى بديهيات، والتقديس من دافع فكري وبحث عقلي إلى بديهية وخضوع، وإلاّ فلا يمكن أن تتركز عقيدة عند شخص دائم المناقشة فيها، ولا القداسة لشيء تدوم المناقشة في تقديسه.
…والمسلمون أدركوا عقليًا أن تقديس الله هو عبادته وهو طاعة أوامره واجتناب نواهيه والخضوع والتسليم لما جاء في كلامه بالقرآن الكريم. وأدركوا عقليًا أن تقديس النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو تعظيمه وتبجيله في جميع الحالات، في كل شيء من شؤون الحياة، وهو الخضوع والتسليم المطلق لما جاء في الصحيح من حديثه باعتباره وحيًا من الله. فكان تقديس القرآن والحديث بدافع فكري مقرون بمشاعر حرّكها نفس الفكر. ولذلك لا بد من تقديسهما ولا بد أن يتحول هذا التقديس لهما إلى بديهة من البديهات لا تقبل مناقشة ولا تدخل تحت البحث بين من تم عندهم ثبوت التقديس. فإذا حاول أحد صرف التقديس عن الحديث إلى القرآن وحده كان كفرًا، أو حاول تصوير تقديس القرآن بتقبيله والاعتقاد بعدم صلاحيته لهذا العصر كان كفرًا أيضًا، بل لا بد أن يكون التقديس تعظيمًا وخضوعًا واستسلامًا شاملًا عامًا وأن لا يقبل البحث والمناقشة إلاّ في حالة الإقناع بأصل التقديس.