فهرس الكتاب
…لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يجتهد قط، ولا يجوز الاجتهاد على الرسول شرعًا وعقلًا. أمّا شرعًا فللآيات الصريحة التي تدل على حصر جميع ما ينطق به وما ينذر به وما يتبعه بالوحي (قل إنما أنذركم بالوحي) (إن أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ) (وما ينطق عن الهوى) . وأمّا عقلًا فإنه صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي في كثير من الأحكام مع الحاجة الماسة لبيان حكم الله، فلو جاز له الاجتهاد لَما أخر الحكم بل يجتهد. وبما أنه ثبت أنه كان يؤخر الحكم حتى ينزل الوحي فدل على أنه لا يجوز له الاجتهاد ولم يجتهد. وأيضًا فإنه صلى الله عليه وسلم واجب الاتّباع، فلو اجتهد لجاز عليه الخطأ، ولو أخطأ لوجب علينا اتباعه، فيلزم الأمر باتباع الخطأ وهو باطل. وجواز الخطأ على الرسول ينافي الرسالة والنبوة، فالإقرار بالرسالة والنبوة يحتم عدم جواز الخطأ على الرسول والنبي، ويحتم استحالة الخطأ عليه فيما يبلّغه عن الله. وعليه فلا يجوز في حقه صلى الله عليه وسلم الاجتهاد مطلقًا، وكل ما بلّغه من الأحكام بقوله أو فعله أو سكوته وحي من الله ليس غير.
…ولا يقال إن الله لا يقره على الخطأ وأنه يبينه له سريعًا، لأن الخطأ في الاجتهاد حين يحصل من الرسول يصبح فرضًا على المسلمين أن يتّبعوه حتى يحصل البيان، فيكون هذا البيان جدد حكمًا آخر غير الأول أُمر المسلمون باتّباعه وبترك الحكم الأول وهو الخطأ، وهذا باطل ولا يجوز في حق الله تعالى ولا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم.
…على أنه لم يحصل من الرسول اجتهاد فيما بلّغه عن الله تعالى في أي حكم من أحكام الله مطلقًا، بل الثابت بنص القرآن وبصحيح السنّة أنه صلى الله عليه وسلم كان يبلّغ عن الوحي، ولا يبلّغ عن غير طريق الوحي. وأنه كان حين لا ينزل الوحي في حادثة ينتظره حتى ينزل بها.