فهرس الكتاب
…ومنطوق الآيات ومفهومها يدل على ذلك، فإن قوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخِن في الأرض) يدل على أن الأمر كان مشروعًا بشرط سبق الإثخان في الأرض، ويؤيده آية (حتى إذا أثخنتموهم فشُدّوا الوَثاق) ، والمراد بالإثخان هو القتل والتخويف الشديد. ولا شك أن الصحابة قتلوا يوم بدر خلقًا عظيمًا حتى سحقوا عدوهم سحقًا، وليس من شرط الإثخان في الأرض قتل جميع الناس. ثم إنهم بعد القتل الكثير أسروا جماعة. والآية نفسها تدل على أنه بعد الإثخان يجوز الاسر، فصارت هذه الآية دالة دلالة بيّنة على أن ذلك الأمر كان جائزًا بحكم هذه الآية، فلا يكون الرسول قد اجتهد في حكم الأسرى ولا يكون الأسر في بدر ذنبًا مخالفًا للحكم الذي نزلت به الآية ولكن يدل على أنه في تطبيق حكم الأسرى على هذه الحادثة كان الأوْلى أن يكون القتل أكثر حتى يكون الإثخان أبرز، فنزلت الآية معاتِبة على التطبيق على وجه خلاف الأوْلى، أي آية عتاب على فعل من أفعال الرسول في حادثة معروف حكمها فعله مخالفًا ما هو الأوْلى بالفعل، فهو عتاب على خلاف الأوْلى. والأنبياء ليسوا معصومبين عن فعل خلاف الأوْلى، فيجوز في حقهم أن يفعلوه، وحين يفعلونه يعاتبهم الله عليه، فهذا عتاب للرسول.