بإمكان الإنسان أن يتوقّع المستقبل على ضوء المقدمات التي تُرهص بهذا المستقبل، وكلما قويت هذه المقدّمات كان توقّع المستقبل أقرب إلى الصّدق؛ فبالإمكان أن نتوقع هطول المطر في جو عاصف، ويصعب ذلك في جو مشمس. وبإمكان الطبيب أن يتوقّع وفاة العجوز المريض، ويصعب ذلك في الشاب الصحيح ... وهكذا. ومثل هذه المسألة مفهومة ولا تعتبر إشكالًا في العقل البشري، ولكن عندما تنعدم المقدّمات يصبح من المستحيل توقّع المستقبل بصورة جازمة. وإليك هذا المثال التوضيحي:
قال شخص: أتوقع في الغد، وفي تمام الساعة العاشرة صباحًا، أن يحدث صدام بين حافلتين، الأولى بيضاء قادمة من الشرق، والثانية سوداء، قادمة من الغرب، ويكون التصادم في الشارع الفلاني، وفي النقطة الفلانيّة، وينتج عن هذا التصادم جرح اثنين في الحافلة البيضاء، وقتل سائق الحافلة السوداء. إنّ مثل هذا التوقع هو من المستحيلات، لأنّه لا توجد مقدمات، كما أنّ عناصر الحدث متعددة؛ فالحدث معقد، والمقدمات منعدمة. ولأنّ مثل هذه الأمور من المستحيلات في عالم البشر فقد صح في العقل أن يكون الإخبار الجازم بها من المعجزات الدّالة على صدق الأنبياء.
في الوقت الذي نحكم فيه باستحالة الإخبار بمثل هذا الحدث عن وعي في حالة اليقظة، نقبل أن يكون هذا الخبر نتيجة لرؤيا مناميّة، وهي ما نسميه الرؤيا الصادقة، لعلمنا بحصول ذلك في الواقع الإنساني، بل هو متواتر في المجتمعات البشريّة، ولا توجد أمّة تجهل ذلك. ولقد شكلت الرؤيا الصادقة إحراجًا للملاحدة عبر العصور، لأننا نجد أن المستحيل في حالة الوعي يتحقق في المنام، ولا يجد العقل تفسيرًا مادّيًا لهذه الظاهرة؛ فوجود صورة للحدث قبل حصوله بأيام يُثبت وجود العلم به قبل حصوله، على الرغم من انعدام المقدمات والدواعي. ولما لم يجد الملاحدة تفسيرًا مادّيًا لهذه الظاهرة المتواترة، ذهبوا إلى القول بأنّ ذلك يحدث على وجه الصدفة. وهذا القول باطل من وجوه: