أولًا: لو كان الأمر من قبيل الصدفة لما كان متواترًا في الأمم والشعوب، وقد قمنا بدراسات إحصائيّة فوجدنا أنّ جميع الفِئات المستطلعة يعلمون بهذه الظاهرة.
ثانيًا: هناك الكثير من الرؤى الصادقة تتعدد فيها عناصر الحدث بحيث يصعب، بل يستحيل أحيانًا تصور حدوث ذلك على وجه الصُدفة.
ثالثًا: من الظواهر الموجودة في المجتمعات البشريّة أنّ هناك أشخاصًا مُعينين تتكرر عندهم الرؤى الصادقة بشكل لافت، في حين نجد الكثيرين لا يرون شيئًا من ذلك على مدى العمر. وهذه الظاهرة تلغي احتمال حصول ذلك على وجه الصدفة.
لقد جاءت النبوّات، وكذلك الرؤى الصادقة، لتخبر الإنسان بوجود العلم بالحدث قبل حصوله، وخاصة في القضايا التي تنعدم مقدماتها، فالنُبُوّات رحمة، وكذلك الرؤى الصادقة، لأنّ الإخبار بالغيب المستقبلي يجعل الإنسان متعقّلًا لقضّيةٍ يستحيل تصورها، فمن يستطيع أن يتصور كيفيّة معرفة الغيب قبل سنوات من وقوع الحدث؟! وبمعنى آخر: كيف يمكن للإنسان أن يتصور وجود القضاء قبل وقوعه قدرًا؟! والذي لا يستطيع أن يتصور ذلك لا بد أن ينكر، وهو معذور في إنكاره، لأنّه لا يطيق ذلك، فجاءت النبوّات، والرؤى الصادقة لتجعل الأمر في دائرة التعقل، ومن هنا لم يعد هناك عذر للمنكر.
المسألة الثانية:
مسيّر أم مخيّر:
يدرك كل البشر على المستوى الشعوري أنّهم مخيّرون، والنص الديني يُصرّح بذلك. من هنا سيبقى هذا السؤال مطروحًا في عالم الفلسفة فقط، وسيبقى واقع الناس محكومًا للإدراك الشعوري المنسجم مع النص الديني.
بعد أن آمن الإنسان، عن طريق النبوّات والرؤى الصادقة، بوجود العلم بالواقع قبل حصوله واقعًا، أي بوجود القضاء قبل وقوعه قدرًا، نشأت لديه هذه المشكلة الفلسفية، والتي لا تزال تُحيّر عقول البشر. ويمكن تلخيص هذا الإشكال العقلي في الآتي:
بما أنّ الله يعلمُ ما سأفعل،
وبما أنّ علم الله لا يُخطئ،
إذن أنا لا بد أن أفعل،
إذن أنا مجبر