فهرس الكتاب
إنّ قضيّة الاجتهاد هي من أبرز المسائل في الشريعة الإسلاميّة. وقد شجّع الرسول، صلى الله عليه وسلم، على الاجتهاد في المسائل التي لم ترد فيها نصوص صريحة قطعيّة. وقد رأى السلف الصالح في الاختلافات الاجتهاديّة نعمة ورحمة، بل إنّ ثراء الفقه الإسلامي يرجع إلى روح الاجتهاد التي بثها الإسلام في أتباعه منذ فجره؛ فهذا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسأل معاذ بن جبل عندما أرسله إلى اليمن فقال له:"بم تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو"، أي لا أقصر في الاجتهاد. رواه أبو داود والترمذي والدارمي.
وجاء في صحيح البخاري ومسلم أنّ الرسول ، صلى الله عليه وسلم، قال بعد ذهاب الأحزاب عن المدينة:"لا يُصلينّ أحدكم العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يُرد منا ذلك. فَذُكِرَ للنبي، صلى الله عليه وسلم، فلم يُعنّف واحدًا منهم".
بذلك يتضح أنّ الرسول، صلى الله عليه وسلم، أقر الطرفين على اجتهادهما في فهم النص، لأنّ دلالة النص تحتمل ذلك؛ فبعضهم أخذ بظاهر النص فلم يُصلِّ، ومن أخذ بالمفهوم من النص، وهو الأمر بالإسراع في النفير، فصلى عندما وجد متسعًا للصلاة.