فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 320

أفرزت العوارض السلبيّة للنظام الرأسمالي الاشتراكيات كحركات إصلاحيّة، فكانت محاولات للإنقاذ. وقد تمتعت النظم الرأسماليّة الغربيّة بمقدار من المرونة خفف من مساوئها وأطال في عمرها؛ فقد كانت قادرة على إبداع استثناءات على القاعدة، فلم تعد رأسماليّة اليوم ملتزمة بالأسس الفلسفيّة التي أفرزت الرأسمالية ابتداءً؛ فالضمانات الاجتماعية، مثلًا، لا تنتمي إلى الفلسفة الرأسماليّة، بل هي مستعارة من المدارس الاشتراكيّة، وكذلك الأمر في الضرائب التصاعديّة وقوانين الاحتكار المعاصرة، التي تتنكر في حقيقتها للأسس الفلسفيّة المُولِّدة للرأسمالية.

لقد أقامت الماركسية نظامها الاقتصادي على أساس أحادي، وهو الملكيّة الجماعيّة. ولم تكن قادرة على إبداع استثناءات كافية لتبقى وتستمر وتتطور، فكانت النتيجة أن انهار الاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل جوهر الماركسيّة. أمّا النظام الماركسي في الصين فلم يلق المصير نفسه، لأنّه استطاع أن يستثني على القاعدة الماركسيّة، وتمتع بقدر من المرونة ساعدته في الخروج على الكثير من الأسس الفلسفيّة الماركسيّة، وساعدته على البقاء والتطوّر.

إنّ استثناءات نظام اشتراكي، كالنظام في الصين، على قاعدته الأحاديّة (الملكيّة الجماعيّة) ، واستثناءات النظم الرأسماليّة على قاعدتها الأحاديّة (الملكية الخاصة) تشير إلى إمكانيّة التقاء الفلسفتين في منتصف الطريق، ولم يكن ذلك عن قناعات فلسفيّة، بل إفرازات واقع متحرك أجبر الجميع على تغيير قناعاتهم ومواقفهم. أمّا أولئك الذين لم يستوعبوا دروس الواقع فقد زالوا من الوجود، كما هو الأمر في تجربة الاتحاد السوفييتي المنهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت