فهرس الكتاب
كان دخول الرسول، صلى الله عليه وسلم، المدينة مهاجرًا هو بداية الإعلان عن قيام المجتمع الإسلامي والدولة الإسلاميّة، بل إنّ تحويل اسم (يثرب) إلى (المدينة) كان بمثابة الإعلان عن قيام المدينة الفاضلة التي يبحث عنها فلاسفة البشر. وبعد عشر سنوات من الهجرة النبويّة أصبحت الجزيرة العربيّة، ولأول مرة في تاريخها، تخضع لسلطان دولة الرسول، عليه السلام، الذي لم يكن يقبل بإسلام شخص حتى يُعلن عن انضوائه تحت راية الدولة الإسلاميّة والالتزام بطاعتها. أما غير المؤمنين بالإسلام فكانوا يبايعون على طاعة الدولة فيحوزون بذلك على التابعيّة ويتمتعون بحقوقهم كالمسلمين.
وعندما توفي الرسول، صلى الله عليه وسلم، تصورت قبائل العرب أنّ بإمكانها أن تمارس الإسلام بعيدًا عن سلطان الدولة، تمامًا كما كان أجدادهم يفعلون بعد إيمانهم بدين إسماعيل، عليه السلام. أما أهل مكة والمدينة فكانوا قد استوعبوا حقيقة الإسلام وما جاء به من شريعة شاملة لكل مناحي الحياة بما في ذلك الدولة. من هنا كانت حروب الرّدة، حيث استطاع أبو بكر، رضي الله عنه، أن يجمع العرب تحت سلطان دولة واحدة في زمن قياسي يثير الدهشة، مما يشير إلى متانة البناء الذي وضع أسسه الرسول، صلى الله عليه وسلم.