فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 320

إن اجتماع العرب لأكثر من مناسبة خلال 2400 سنة كان لا بُدّ أن يخلق لغة مشتركة، وكان لا بد أن تكون لهجة قريش (أهل مكة) هي اللهجة المشتركة بين قبائل العرب. من هنا ندرك بعض أسرار نزول القرآن الكريم بلهجة قريش، حيث هي اللهجة التي يفهمها كل العرب.

كانت قريش تقوم بإطعام وسقاية الحجاج العرب الوافدين من كل أنحاء الجزيرة العربيّة، وعندما يستمر مثل هذا التقليد آلاف السنين- حوالي2400 سنة- فإنه يجعل العرب، كل العرب، يُجلّون قريشًا، مما أدّى في النهاية إلى تبلور مكانة خاصّة لقريش في نفوس جميع قبائل العرب. وبمضي الوقت ترسّخت هذه المكانة في ضمير العربي، فأصبحت السيادة الدينيّة لقريش من غير منازع. وهذا يكشف لنا بعض أسرار جعل مكة مهبطًا للوحي الربّاني، واختيار الرسول، عليه السلام، من قريش مولدًا ونسبًا.

نتيجة لمكانة قريش الدينيّة، ونتيجة إكرام قريش لوفود العرب التي كانت تقدّس البيت، ونتيجة قيام قريش بسدانة البيت، كل ذلك جعل قوافلها، من دون القوافل، تسير آمنة في أرجاء الجزيرة العربيّة. كيف لا، وهذه القوافل تعود بالخير على أهل مكة، فينعكس ذلك على حجاج بيت الله الحرام. كل ذلك جعل علاقة قريش بباقي العرب علاقة سلميّة لا يشوبها حرب، في الوقت الذي كانت فيه الجزيرة العربيّة مشحونة بالخلافات والحروب القبليّة. هذا الوضع المتميّز لقريش يكشف لنا عن بعض أسرار جعل مكة مهبطًا للوحي على رسولٍ قرشي؛ فحاجز العداوة غير موجود. فأنّى لعبسٍ، مثلًا، أن تؤمن إذا كان الرسول من ذُبيان، لما كان بينهما من حروب وأضغان؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت