فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 320

بقيت قبائل العرب مترددة في موقفها من الإسلام، بل معادية له، حتى فُتحت مكة وأسلمت قريش. عندها رأينا كل القبائل العربيّة تُقبل على الإسلام، ويرجع هذا إلى المكانة التي كانت لقريش في نفوس العرب، والتي ترسّخت عبر القرون المتطاولة. ويعبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة أبلغ تعبير، وذلك في سورة النصر:"إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، فسبّح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا".

عندما توفي الرسول، عليه السلام، ارتدّت قبائل العرب المختلفة. والملاحظ أنّ الارتداد لم يكن عن الإسلام، بل عن التابعيّة للدولة. نعم، فالعرب لم تجمعها دولة في يوم من الأيام، واستقلاليّة القبائل هي شيء راسخ. وقد تصوّر العرب أنّ تابعيتهم للرسول، عليه السلام، كانت بصفته رسولًا، ولم تكن بصفته حاكمًا، ويبدو أنّهم لم يتنبّهوا إلى أنّ الرسول،عليه السلام، قد أقام دولة، لذا ظنّوا أن لا تناقض بين إيمانهم واستقلاليتهم عن صيغة الدولة الإسلاميّة الناشئة. وعزز مثل هذا الظن لديهم أنهم كانوا قبل الإسلام يجتمعون في عبادة الحج والعمرة من غير أن يمس ذلك باستقلالهم. وهم اليوم، وبعد نزول الإسلام، يمكنهم، بحسب ظنّهم، أن يبقوا مسلمين يصومون ويصلّون ويحجّون إلى مكة، ولكن لا داعي لأن يجبي منهم أبو بكر الزكاة.

ومما يدل على ما قلناه، من أنّ ردّتهم كانت عن طاعة الدولة ولم تكن عن الإسلام، الأمور الآتية:

مراجعة عمر بن الخطاب لأبي بكر واستنكاره قتل المسلمين، حتى قال له أبو بكر، رضي الله عنه، فيما قال:"أجبّار في الجاهليّة خوّار في الإسلام"، وقال:"والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدّونه لرسول الله لقاتلتهم عليه".

قول أبي بكر بأنّه سيقاتل من يُفرق بين الصلاة والزكاة. فالخلاف إذن في الزكاة والتي هي عنوان التابعيّة والالتزام بالسّلطة القائمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت